رام الله- “القدس العربي”: لم يتوقع الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، أن يتحول تصريح له في محفل دولي إلى مصدر لإثارة الجدل ومطالبات بالاعتذار، بعد أن تم تأويل تصريحه حول إنجاب الفلسطينيين خلال حرب الإبادة ليظهر وكأنه يتعمد الإساءة للشعب الفلسطيني وتضحياته، وتحديدا في قطاع غزة.
وتحدث البرغوثي في كلمة خلال مؤتمر جماهيري باللغة الإنكليزية عن حماية الأطفال باعتبارها وسيلة مقاومة، حيث قال: “إن الاحتلال قتل 22 ألف طفل، لكننا نجحنا في غزة في إنقاذ 82 ألف طفل مولود جديد”.
وفيما رأى بعض النشطاء أن التصريح “لا يليق بمعاناة الفقدان”، رد مدافعون ونشطاء فلسطينيون عن البرغوثي بالقول: “ألم يقل ياسر عرفات مرارا وغيره من القادة إن فلسطين ولادة، وقال: لن نهزم ما دام هناك رحم فلسطيني؟”.
فيما رأى بعض النشطاء أن التصريح “لا يليق بمعاناة الفقدان”، رد مدافعون ونشطاء فلسطينيون عن البرغوثي بالقول: “ألم يقل ياسر عرفات مرارا وغيره من القادة إن فلسطين ولادة
وتحدثت “القدس العربي” مع البرغوثي، الذي رفض التعقيب على دعوات الاعتذار منه لأهل غزة، معتبرا أن بيانات القوى الوطنية التي صدرت يوم أمس كافية وتفي بالغرض.
وقال عمر منصور، الناشط الفلسطيني، إن البعض استنفر للهجوم على البرغوثي بعد أن تم اجتزاء كلامه، حيث تم تحريفه عن سياقه، معتبرا أن هناك من يمارس “أرخص أنواع التضليل في ظل أن البرغوثي لم يقل إلا حقيقة مؤلمة: 22 ألف طفل استشهدوا، لكن شعبنا أنجب 82 ألف طفل، في رسالة واضحة مفادها أن الاحتلال، رغم كل جرائمه، لن ينجح في قتل إرادة الحياة أو اقتلاع شعب قرر أن يبقى”.
وأضاف في منشور على صفحته: “لمن أصابته اليوم حساسية مفاجئة من هذا الكلام، أذكره بما قاله الرئيس الشهيد ياسر عرفات خلال زيارته التاريخية لمخيم بلاطة بتاريخ 30-8-1996، وكنت حاضرا ذلك المهرجان، عندما قال بالحرف الواحد: “بدي كل واحد يخلف 12”.
وتساءل: “هل فهمها أحد يومها على أنها انتقاص من قيمة الشهداء؟ أم أن الجميع أدرك أنها دعوة للصمود وتعزيز الوجود الفلسطيني في مواجهة مشروع الاقتلاع؟”.
وخلص إلى أن المشكلة ليست في كلام البرغوثي، بل في العقول التي تتعمد اقتطاع الجمل، وتحريف المعاني، وخدمة رواية الاحتلال، ثم تتظاهر بالحرص على دماء أطفالنا.
وشدد على أن البرغوثي أمضى سنوات عمره وهو يواجه إعلام الاحتلال في أصعب المنابر العالمية، يدافع عن فلسطين بلغتهم، ويفحم مروجي الأكاذيب بالحجة والوثيقة، بينما لا يعرف بعض مهاجميه من النضال إلا الكتابة خلف الشاشات والبحث عن “ترند” جديد. وبالتالي، “من يريد أن يغضب، فليغضب من قاتل الأطفال، لا ممن يفضح جرائمه أمام العالم. ومن يريد أن يزاود على الوطنيين، فليأتي أولا بسجل يوازي واحدا بالمئة من تاريخ هذا الرجل في خدمة القضية الفلسطينية”.
وختم بأن فكرة البرغوثي تعكس الرؤية الاستراتيجية للزعيم الراحل ياسر عرفات حول الصراع الديموغرافي والبقاء، حيث كان يؤمن بأن استمرار الشعب الفلسطيني في الإنجاب وتشبثه بالحياة هو “القنبلة الديموغرافية” والضمانة الأكيدة لاستمرار القضية، معتبرا أن الأجيال الجديدة تحمل راية النضال حتما، وأن أطفال فلسطين في دائرة الاستهداف الصهيوني.
وعبرت القوى الديمقراطية الخمسة: الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب فدا، وحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، عن استهجانها واستنكارها للحملة الظالمة والمغرضة، التي لا مبرر لها، ضد المناضل الوطني البرغوثي.
عبرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب فدا، وحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، عن استهجانها واستنكارها للحملة الظالمة والمغرضة، التي لا مبرر لها، ضد المناضل الوطني البرغوثي.
وأكدت القوى رفضها لكل ما يضعف وحدة الصف الوطني ويلحق الأذى بالوحدة الوطنية، في وقت يحتاج فيه شعبنا إلى أقصى درجات الوحدة في مواجهة حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، وحرب الاستيطان الإرهابية في القدس والضفة الغربية، وفي مواجهة مؤامرة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني.
وأكدت القوى الديمقراطية رفضها جعل الاختلاف في الآراء السياسية سببا لافتعال الحملات الظالمة والخلافات والانقسامات في الصف الوطني.
كما أدانت الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني الحملة الإعلامية والتحريضية التي يتعرض لها البرغوثي، الذي أضحى من الشخصيات الوطنية التي لها رمزية وحضور عالمي، وما رافقها من اجتزاء وتحريف لتصريحاته بما يخدم روايات بعيدة عن مضمونها الحقيقي.
كما أدانت دائرة العلاقات الوطنية في حركة حماس الحملة الإعلامية والتحريضية التي يتعرض لها البرغوثي، وما رافقها من اجتزاء وتحريف وتأويل لتصريحاته.
واعتبرت أن انتزاع التصريحات من سياقها الحقيقي، وإعادة تفسيرها بصورة مضللة، لا يخدم إلا تعميق حالة الانقسام وتشتيت الجهد الوطني، في وقت أحوج ما يكون فيه شعبنا إلى وحدة الصف، وتكامل الأدوار، وتوجيه البوصلة نحو مواجهة الاحتلال وجرائمه المتواصلة بحق أبناء شعبنا.
وقال الكاتب السياسي والباحث أمين الحاج، في حديث خاص لـ”القدس العربي”، إن السياق الذي تحدث عنه البرغوثي هو سياق المواجهة الديموغرافية وحرب البقاء، وليس خطابات التعزية والمواساة العاطفية التقليدية.
وقال الحاج: “هناك فرق بين من لا يرى في غزة إلا مأساة إنسانية -وهي كذلك وأكثر- لكنها هي أيضا قضية تحرر وطني وصراع وجودي ومصدر إلهام لشعوب الأرض المستعبدة، فالأطفال الذين يولدون هم أيضا استمرار لرسالة من قضوا، لا تقليلا من قيمتهم، بل بثا للأمل وإظهارا لحيوية الشعب الفلسطيني، بل هو قمة التماهي مع ما يمليه الواجب تجاه الشهداء لضمان ألا تذهب تضحياتهم سدى”.
وتابع حديثه: “إن الادعاء بأن هذا التصريح يتنكر لآلامهم أو خال من الإنسانية هو قراءة مجزوءة تخرج الكلام عن سياقه الاستراتيجي والسياسي، لأسباب عدة، منها أن البعد الديموغرافي أداة صمود ومقاومة، فالفلسطيني في غزة وفلسطين عموما ليس مجرد كائن يقاس بالعدد، بل هو إنسان واع يخوض معركة صراع وجود ضد الاحتلال، الذي صرح قادته مرارا وتكرارا، وعلنا وبالخفاء، بأن هدفهم هو محاربة والحد من النسل الفلسطيني، وتغيير الواقع الديموغرافي عبر الإبادة والتهجير”.
وختم بالتأكيد أن البرغوثي عندما يذكر رقم 82 ألف مولود جديد مقابل الفقد، فهو لا يستبدل طفلا بطفل على الصعيد الإنساني أو العاطفي، فكل جنين وطفل هو عالم بأكمله ولا يعوض، بل هو يعلن فشل المخطط وعجزه عن محو الوجود الفلسطيني، والإنجاب في غزة تحت القصف والتجويع ليس فعلا غريزيا مجردا، بل هو فعل تحد سياسي وجودي، وهو رسالة للعالم بأن غزة ترفض الموت والاندثار وتتمسك بالحياة.