الدوحة أثبتت أنها محورية في منظومة الطاقة الدولية


الدوحة –”القدس العربي”: تراقب أسواق الطاقة العالمية عودة ناقلات الغاز الطبيعي المسال القطرية إلى الإبحار عبر مضيق هرمز، في تطور يُنظر إليه باعتباره أول مؤشر عملي على بدء انحسار واحدة من أكثر صدمات الإمدادات حساسية منذ اندلاع التوترات الأخيرة في الخليج.

فبعد أسابيع من تعطل حركة التصدير نتيجة الهجمات التي طالت منشآت في رأس لفان وإغلاق مضيق هرمز أمام التدفقات الطبيعية، بدأت بيانات تتبع السفن تُظهر تحركات لناقلات مرتبطة بالغاز القطري، في خطوة تعكس مساعي الدوحة لاستعادة جزء من طاقتها التصديرية تدريجيًا.

ولا تتعلق أهمية هذه العودة بحجم الصادرات القطرية فحسب، بل بمكانة قطر داخل معادلة أمن الطاقة العالمي. حيث تُعد قطر أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتمثل نحو خُمس تجارة الغاز المسال عالميًا، ما يجعل أي اضطراب في تدفقاتها قادرًا على تحريك الأسعار وإعادة رسم توازنات السوق في آسيا وأوروبا في آن واحد.

وبينما تشير فيه التقديرات الرسمية إلى إمكانية استعادة الإنتاج من الأجزاء غير المتضررة خلال أسابيع، يرى خبراء تحدثوا لـ “القدس العربي” أن عودة الصادرات القطرية قد تخفف الضغط عن الأسواق، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء حالة القلق التي كشفت هشاشة منظومة الغاز العالمية واعتمادها المتزايد على عدد محدود من المنتجين الكبار.

  بداية انفراج حذر

تُظهر بيانات تتبع السفن التي نشرت خلال الأسبوع الماضي أن ناقلة غاز طبيعي مسال حمّلت شحنتها من منشأة رأس لفان اتجهت نحو مضيق هرمز، فيما اقتربت ناقلتان فارغتان من المدخل الشرقي للمضيق عبر المسار الجنوبي المحاذي لسلطنة عُمان. وتعود ملكية السفن الثلاث إلى قطر أو تعمل بموجب عقود لنقل الغاز القطري، وهو ما فُسِّر على أنه إشارة إلى بدء استئناف حركة الشحن بعد فترة من التعليق شبه الكامل.

وبينما تؤكد قطر للطاقة أن استعادة الإنتاج من المنشآت غير المتضررة يمكن أن تتم بسرعة نسبية، يبقى العامل الأكثر حساسية مرتبطًا بأمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث لا تزال شركات الشحن تترقب تطمينات إضافية تتعلق بسلامة العبور وإزالة المخاطر المحتملة قبل عودة الحركة إلى مستوياتها الطبيعية.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد عيسى المهندي أن استئناف إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر يحمل أهمية تتجاوز حدود السوق الخليجية، لأنه يأتي في وقت لا تزال فيه أسعار الوقود في أوروبا وآسيا أعلى من مستويات ما قبل الحرب رغم التفاهمات السياسية الأخيرة.

وأشار المهندي إلى أنه بحسب البيانات الصادرة من جهات دولية مختصة، فقد تمكنت قطر خلال فترة التعطل من تصدير عدد محدود من الشحنات إلى مشترين آسيويين، لكن هذه الكميات ظلت أقل بكثير من المستويات المعتادة، الأمر الذي أبقى السوق تحت ضغط مستمر. وأضاف أن قدرة قطر للطاقة على إعادة تشغيل المنشآت غير المتضررة تمنح السوق فرصة لاستعادة جزء مهم من الإمدادات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

وأكد أن الأزمة الأخيرة كشفت مدى هشاشة التوازن القائم في سوق الغاز الطبيعي المسال، فالعالم لم يكن يواجه تعطل مورد ثانوي، بل توقف أحد الأعمدة الرئيسية التي استندت إليها تجارة الغاز العالمية خلال السنوات الأخيرة، في وقت لم تستكمل فيه الأسواق بعد تعافيها من تداعيات تقليص الإمدادات الروسية إلى أوروبا.

كما يرى المهندي أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط استعادة الإنتاج داخل قطر، بل أيضًا سرعة عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، لأن أي تأخير في هذا الجانب قد يطيل أمد التقلبات السعرية حتى مع جاهزية المنشآت للعمل.

 لاعب رئيسي في أسواق الطاقة

وأكد الخبير الاقتصادي علي الخلف، أن قطر ليست مجرد مصدر كبير للغاز الطبيعي المسال، بل عنصرًا محوريًا في منظومة العقود طويلة الأجل التي تعتمد عليها شركات الكهرباء والمرافق في آسيا وأوروبا.

وقال إن إعلان وقف الإنتاج بعد الهجمات أدى إلى قفزة سريعة في الأسعار لأن السوق فقد فجأة مصدرًا يمثل نحو خمس تجارة الغاز المسال العالمية. ففي عام 2025 صدّرت قطر ما يقارب 81 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال، وهي كميات لعبت دورًا أساسيًا في موازنة العرض والطلب العالميين.

وأضاف الخلف أن أكثر من 80% من الغاز القطري يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، بينما ترتبط أوروبا بعقود طويلة الأجل مع قطر لتأمين جزء مهم من احتياجاتها. ولذلك فإن توقف الإمدادات، حتى لو كان مؤقتًا، يثير تساؤلًا جوهريًا داخل السوق: هل يمتلك العالم بديلًا قادرًا على تعويض الغاز القطري بالسرعة نفسها؟

وبحسب الخلف، فإن معظم الدول المصدرة للغاز الطبيعي تعمل أصلًا بالقرب من حدودها التصديرية القصوى، ما يجعل أي انقطاع مفاجئ من هذا الحجم كافيًا لدفع الأسعار إلى مستويات مضطربة وإعادة فتح ملف أمن الطاقة العالمي من جديد.

فجوة كبيرة

ويذهب الخبير الاقتصادي سعيد الهاجري إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن المشكلة لا تكمن في نقص الكميات وحده، بل في طبيعة السوق نفسها. فالسوق العالمية للغاز المسال لا تمتلك فائضًا كبيرًا يمكن استدعاؤه فورًا عند الطوارئ، بل تعمل تحت ضغط طلب مرتفع وبقدرات تسييل وشحن مرتبطة بعقود طويلة الأمد.

وأكد الهاجري أن قطر توفر قرابة 80 مليون طن من أصل نحو 440 مليون طن من المعروض السنوي العالمي، وهو ما يفسر القفزات الحادة التي شهدتها الأسعار الأوروبية والآسيوية منذ تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز. لذلك فإن أي انقطاع ممتد لا يضغط على الأسعار فحسب، بل يضرب أساس الاستقرار الذي بُنيت عليه السوق خلال السنوات الأخيرة.

وتزداد أهمية هذه الفجوة، بحسب الهاجري، لأن العديد من الدول الآسيوية بنت أمنها من مصادر الطاقة على افتراض استمرار الإمدادات القطرية وفق عقود مستقرة وطويلة الأجل، لا على أساس الاعتماد على السوق الفورية. ومن ثم فإن البحث عن بديل لا يعني مجرد شراء شحنة إضافية، بل إعادة ترتيب شبكة معقدة من العقود والتدفقات التجارية التي تشكلت على مدى سنوات.

 إعادة تسعير المخاطر

تكشف الأزمة الحالية حقيقة أساسية أن تجارة الغاز المسال لم تعد سوقًا إقليمية، بل شبكة عالمية مترابطة تتفاعل فيها أوروبا وآسيا وأمريكا بصورة مباشرة. فحين ترتفع الأسعار في آسيا تنجذب الشحنات نحو الأسواق الأعلى سعرًا، وحين تسعى أوروبا إلى إعادة ملء مخزوناتها تشتد المنافسة على كل شحنة متاحة، فتنتقل الضغوط من منطقة إلى أخرى بسرعة كبيرة.

لهذا لا يُنظر إلى ما حدث باعتباره مجرد تعطل مؤقت في الإمدادات، بل باعتباره عملية إعادة تسعير واسعة للمخاطر الجيوسياسية في سوق لم تستكمل بعد تعافيها من الأزمة الأوروبية السابقة. كما أن الاعتماد المتزايد على نقاط اختناق بحرية ومنشآت ضخمة مركزة في منطقة واحدة يجعل أي تطور أمني قادرًا على التأثير في حسابات المستثمرين والمشترين والعقود طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، تبدو عودة صادرات الغاز الطبيعي القطري عبر مضيق هرمز خطوة مهمة نحو تهدئة الأسواق، لكنها لا تمحو الأسئلة التي أثارتها الأزمة حول مرونة نظام الطاقة العالمي وقدرته على التعامل مع تعطل أحد أكبر مورديه. فالعالم يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن استقرار سوق الغاز لا يعتمد على حجم الاحتياطيات وحده، بل على أمن الممرات البحرية واستمرار تدفق الإمدادات من المنتجين الرئيسيين دون انقطاع.

وبينما تتجه الأنظار إلى سرعة استعادة قطر كامل طاقتها الإنتاجية، يبقى المؤكد أن استئناف الصادرات القطرية لا يمثل مجرد تطور تشغيلي، بل اختبار جديد لقدرة سوق الطاقة العالمية على استعادة توازنها بعد واحدة من أكثر الهزات حساسية منذ سنوات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *