عمود تعذيب و”طرد أمازون”.. وإنستغرام للتسلية


 جدعون ليفي

يستلقي شبه عار على بطنه بملابسه الداخلية فقط، عيونه معصوبة، وجهه مغطى بشرشف وضعه خاطفوه، يداه مكبلتان وراء ظهره بأصفاد بلاستيكية ضيقة ومؤلمة، جسده مقيد بالسرير، كدمات حمراء على ساقه اليمنى. حتى الآن، هذه صورة نمطية لسجين فلسطيني. ولكن الجديد هذه المرة، إضافة عنصر غريب لهذا التعذيب: عمود خشبي، الجزء العلوي مغطى بالحديد لسبب غير معروف، مربوط على جسده وهو يشبه الرمح الإفريقي. من المؤكد أن وظيفة العمود منع الضحية من الانحناء ولو للحظة في أي ظروف.

للحظة، اعتقدت أنه عمل فني احتجاجي. ربما صورة منتجة بالذكاء الصناعي، الملاذ اليائس في مواجهة كل صورة فظيعة من غزة. ولكن لا؛ لقد أعلن الجيش الإسرائيلي الخميس أنه “حدد مكان الحادثة”، وأن تحقيقاً قيادياً يجري، وأن “المتورطين سيعاملون حسب النتائج التي ستنتج عن التحقيق”. لا فائدة من المبالغة في وصف شكل “المعاملة” المتوقعة. ففي يوم مثالي، سيتم توقيف الجنود المسيئين عن العمل لمدة ساعتين. فهذه في نهاية المطاف، هي “الخدمة الجليلة” التي حلموا بها.

لقد ظهرت صور أكثر فظاعة من هذه، لكن لا شيء يضاهي فظاعة هذه الصورة، سواء دماء أو أطراف مبتورة أو عنف واضح أو جثث مشوهة. رجل مربوط بعمود، لا نعرف من هو. وسائل الإعلام الإسرائيلية سارعت إلى وصفه بـ “الإرهابي”، بالضبط مثلما تصف كل فلسطيني في غزة، دون أي فكرة حول هويته. ولكن هويته، وذنبه إذا وجد، غير مهمة. لا أحد يستحق هذه الإهانة. لا نعرف كم الوقت الذي بقي فيه على هذه الحال، ساعة أم شهراً، المهم هو ما فكر فيه الجنود.

لا شيء يضاهي فظاعة هذه الصورة، سواء دماء أو أطراف مبتورة أو عنف واضح أو جثث مشوهة. رجل مربوط بعمود، لا نعرف من هو

ما الذي يجعل شاباً إسرائيلياً يخدم في وحدة عسكرية يربط شخصاً بعمود تعذيب، هل تسبب لهم بأي أذى. هو في نفس جيلهم. هل فكروا بحياته وأحلامه؟ بماضيه وحاضره ومستقبله؟ هل يرونه إنساناً أم شخصاً مثيراً للريبة؟ واضح أنهم لا يخجلون من أفعالهم فقط، بل يتفاخرون بها إلى درجة أنهم يوثقونها وينشرونها في الشبكات الاجتماعية. شاهدونا، نحن أبطال الشعب! هم يعرفون أنهم أبطال إسرائيل المعاصرون.

من أين حصلوا على العمود؟ ربما هو العمود الذي استخدمه “مقاتلو القوة 100” المشهورون، ضحايا “فرية الدم” التي أطلقها غاي بيلغ المضطهد؟ كيف حدث الأمر؟ أحدهم جلب عصا، وآخر تأكد من تغطية رأس تلك العصا بالحديد، وثالث اقترح “لنربطه بالعمود”، سيكون مدهشاً نشر ذلك في إنستغرام. كيف فعلوا كل ذلك؟ ربطوا ضحيتهم العاجزة بشكل محكم كما يربطون طرداً من “أمازون”، ثم أضافوا العصا للزينة. لا بد أن ذلك أضحكهم. ربما أرسلوا فيلم فيديو لأصدقائهم وهم يشاهدون الموقف. لا شك أنهم استمتعوا به، وربما حتى لآبائهم، كي يشاهدوا مدى وطنيتهم وشجاعتهم. وماذا ستحمل الضحية معها طوال حياتها؟ ما الذي سيقوله لأولاده وأحفاده عندما سيأتي هذا اليوم؟ هل سينجو من معسكر التعذيب الذي اختطف إليه هو وعشرات آلاف الأشخاص الآخرون، الأبرياء معظمهم، وجميعهم من دون محاكمة”.

في 26 شباط 1988 وثق طاقم “سي.بي.اس” برئاسة المراسل الأسطوري بوب سايمون، والمصور الإسرائيلي موشيه إلبرت، ضرب أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي لشابين فلسطينيين بحجر وتكسير عظامهم على تلة صخرية قرب نابلس. تم التقاط الصورة من مسافة 300 متر، وأثارت ضجة دولية. دعكم من العالم، إسرائيل ضجت، هل تصدقون ذلك؟

مرت تقريباً أربعون سنة ولم يثر قتل ألف رضيع في قطاع غزة نفس الضجة التي أثارها تكسير عظام على جبل قفر في نابلس. صورة شخص تم تقييده بعمود لم تثر أي شيء هنا. هذه هي خلاصة تاريخ اليأس.

هآرتس 5/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *