هل تصبح طهران لاعباً رئيسياً في النظام العالمي الجديد؟


 تسفي برئيل

“الموت للوهلة الأولى هو النهاية. لكنه سياسياً يكون غالباً بداية لشيء آخر؛ بداية لإعادة كتابة الماضي ويكون نضالاً من أجل الذاكرة، وجهداً جديداً للحفاظ على الشرعية أو إعادة بنائها”، هكذا بدأ الكاتب الإيراني علي رضا نجفي مقاله بعنوان “عندما يتحدث الموت بلغة القوة”، الذي نشر أمس في موقع “رويداد 24” الموالي للحكومة.

إن موكب جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي انطلق أمس يستمر ستة أيام إلى حين دفنه أخيراً في مسقط رأسه مشهد. ويهدف في المقام الأول إلى استعراض القوة، داخلياً وخارجياً، لـ “إعادة بناء الشرعية”. إن مئات آلاف المواطنين الذين تجمعوا في العاصمة طهران شديدة الحرارة، وملايين آخرين سينضمون للجنازة التي ستجوب عدة مدن وتصل حتى إلى العراق، ليسوا مجرد مجندين أو عناصر من قوة الباسيج والحرس الثوري، أو مسؤولين في النظام.

إن أغلبية الشعب الإيراني الذي يبلغ متوسط العمر فيه 34.5 سنة، لا يعرف نظاماً أو زعيماً آخر غير خامنئي. يرون في خامنئي تجسيداً لذاكرتهم التاريخية ونجاحهم في إسقاط نظام الشاه الذي لم يعرفه الكثيرون منهم إلا من خلال التعليم الوعظ والخطاب العام. يرون فيه الزعيم الذي أضاف إيران قائمة القوى العالمية وأعاد إليها عظمتها التاريخية.

الشعب ينتظر الآن بكل صبر المرحلة التالية لتاريخ البلاد. فإذا كان الخميني قد اجتاح البلاد بقوة عندما أطلق الثورة الإسلامية، فقد أعطيت لخامنئي مهمة تثبيت الثورة وترسيخها وتحويلها إلى آلية للسلطة وبناء أنظمة الحكم وصياغة السياسة الخارجية والداخلية، لا سيما ملاءمتها مع الظروف الجيوسياسية المتغيرة. وقد منح حكمه الطويل (36 سنة تقريباً) مقارنة مع حكم الخميني الذي لم يتجاوز العشر سنوات، تجسيداً عملياً لمبدأ “حكم الفقيه” الذي صاغه الخميني، والذي رسخ تطابقاً مطلقاً بين الدولة وقائدها.

النظام الذي استمد الشرعية من هيكل المرشد الأعلى، أصبح الآن مطالباً بالإثبات أنه لا يعتمد على شخصية قائد واحد. وتتضح الآن مهمة الجنازة الجماهيرية الحاشدة، وهي تحويل غياب القائد إلى حضور دائم لنظام الثورة

هنا تكمن المفارقة التي يستعد النظام الإيراني “الجديد”، كما وصفه ترامب، لمواجهتها مع رحيل خامنئي. فالنظام الذي استمد الشرعية من هيكل المرشد الأعلى، أصبح الآن مطالباً بالإثبات أنه لا يعتمد على شخصية قائد واحد. وتتضح الآن مهمة الجنازة الجماهيرية الحاشدة، وهي تحويل غياب القائد إلى حضور دائم لنظام الثورة. ولا يتعلق الأمر باستمرارية تقنية أو سياسية أو آلية. وكتب نجفي: “على الأغلب، لا تنشأ الجنازات الكبيرة بسبب عاطفة عابرة فقط، بل خلفها طبقة من التاريخ المشترك والمعاناة الجماعية والآمال التي لم تتحقق والإخفاقات السياسية والطموحات الوطنية. ففي ظل فراق القائد، يهرب الناس في الواقع من جزء من هويتهم التاريخية. وبسبب ذلك، فالدموع الجماعية لا تنبع أحياناً بسبب فقدان شخص فقط، بل بسبب فقدان إمكانية تاريخية”.

الآن، تحاول شبكة القوى التي تدير شؤون إيران تنظيم هذه “الإمكانية التاريخية” وتوجيهها، في حين أنها، لأول مرة منذ العام 1979، لا تملك قائداً مستبداً “طبيعياً” يملك السلطة والنفوذ اللذين كان يتمتع بهما الأسلاف. ورغم انتخاب مجتبى خامنئي بشكل رسمي لرئاسة الهرم، لم يظهر علناً في اللحظة الحاسمة التي كان عليه الموافقة على مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، بل اعترف بنفسه بأنه وافق عليها خلافاً لموقفه، عند قبوله موقف المجلس الأعلى للأمن القومي.

ربما هذه هي نقطة التحول المهمة التي حدثت عند وفاة خامنئي الأب، التي أثيرت فيها للمرة الأولى مسألة من يتخذ القرارات بالفعل في إيران. ويجب الذكر أن خامنئي الأب اضطر أيضاً إلى إجراء مفاوضات شاقة مع قوى داخلية كانت تسعى إلى أخذ السلطة. فمثلاً، تصادم مباشرة مع الرئيس محمود أحمدي نجاد بعد سنتين من دعمه في الانتخابات الرئاسية المزورة. وخلافاً لموقف الحرس الثوري، قدم الدعم الكامل لطاقم التفاوض الذي أدى إلى التوقيع على الاتفاق النووي الأصلي في 2015. وتدخل وأصدر أحكاماً في قضية الضرائب والمساعدات التي تقدم للمحتاجين رغم اختلافه مع الرؤساء ورؤساء البرلمان، وبرع أيضاً في التعامل مع خصومه الدينيين الذين اتهموه أحياناً بعدم الأهلية الدينية لقيادة البلاد.

في اللعبة السياسية التي أتقنها، كان يمكن لخامنئي حظر إجراء مفاوضات مع أمريكا، فقط من أجل التراجع خلال فترة قصيرة دون أن يثير ذلك عاصفة تضعضع مكانته. وقد ظهر ذلك مثلاً عندما اخترع مصطلح “المرونة البطولية” لتبرير السماح بالتفاوض مع الولايات المتحدة وتوقيع الاتفاقات. وهكذا، فقد بنى واجهة علقت عليها لافتة “وحدة الصف” التي ساهم من خلالها في استقرار الصراع على السلطة بين من يعارضون الاتفاق ومن يؤيدونه.

ترك خامنئي وراءه بلاداً مدمرة مع حلم، وسيكون على آلية النظام الآن التعامل مع هذا الإرث في خضم منافسة محمومة، ليس مع الولايات المتحدة فحسب، بل فيما بينها أيضاً، وهي منافسة تبدو وكأنها على وشك الخروج عن السيطرة. في ظل غياب قائد أعلى مع سلطة ويحدد الخطوط الحمراء، تحاول الأنظمة الحاكمة تقييم مستوى إمكانية وفائدة توسيع نطاق التفاوض مع الولايات المتحدة.

إن الشعور بالإنجاز والنصر، له ما يبرره. فالسيطرة على مضيق هرمز، وتحييد تدخل دول الخليج وترسيخ التهديد العسكري ضد هذه الدول كأساس استراتيجي، وترسيخ “وحدة الساحات”، على الأقل بين إيران ولبنان كمبدأ لا رجعة عنه – كل ذلك، حسب رأيهم، حقق بالفعل مقولة علي خامنئي، التي تنبأت بأن “إيران ستكون من اللاعبين الرئيسيين في النظام العالمي الجديد”. في هذا النظام الجديد، كما قال، ستتقلص قوة الولايات المتحدة، في حين ستتولى “قوى الشرق”، الصين وروسيا، دفة القيادة.

ولكن تحقيق هذا الهدف، كما أدرك خامنئي وأكد، يحتاج إلى التفاوض مع العدو اللدود، شريطة إجراء هذه المفاوضات من موقع احترام، أي الاعتراف بقوة إيران وقدرتها، وليس من موقع “الخضوع للتسلط”، كما وصف ذلك. في هذه المرحلة، يبدو أن النظام يسعى بجهد لترسيخ الاعتراف بقوة إيران ومكانتها كدولة مهمة ولها وزن مساو للولايات المتحدة، حتى في ظل تفوقها العسكري الواضح. والسؤال الذي سيطرح بعد انتهاء مراسم العزاء هو: كيف يمكن ترجمة هذه المكانة إلى مكاسب ملموسة؟

هآرتس 5/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *