حتى الآن.. إدارة ترامب غيرت خطابها تجاه نتنياهو وعليها إجباره وإسرائيل على تغيير حالة الحرب المفتوحة


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لميراف زونشين، مسؤولة ملف إسرائيل في مجموعة الأزمات الدولية، قالت فيه إن الخلاف المتزايد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجب أن يقترن بموقف واضح من حالة الحرب الدائمة التي تبناها نتنياهو منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد كشفت تلك الهجمات عن إسرائيل في أضعف حالاتها، ولهذا حاولت أن تستعيد قوتها ووضعت معيارا للنجاح خارج التصور: الحصانة المطلقة.

ومن هنا، تحدث نتنياهو عن “النصر الكامل”، ثم شن حملة عسكرية دمرت غزة، وبعدها انتقل إلى حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وأجزاء من سوريا، والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وقد أصبحت القدرة على مواصلة القتال دون قيود، داخلية كانت أم خارجية، هدفا بحد ذاته لحكومة نتنياهو. ومع تحول الحرب إلى حالة عادية في إسرائيل، فإن تأييد العقيدة الأمنية الجديدة بات أمرا مطلوبا، ويجب ألا يتم التشكيك فيه.

وعليه، تابع الإسرائيليون بصدمة واستياء، التباين الواضح بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية. وبدا هذا واضحا في كل مكان، بدءا من تصريحات الرئيس ترامب المسربة، وصولا إلى تصريحاته في أوائل حزيران/يونيو التي هاجم فيها نتنياهو بسبب تصعيده في لبنان، واصفا إياه بـ”المجنون”، ومؤكدا أن “الجميع يكرهك الآن”، وصولا إلى جهود نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الأخيرة لوضع إسرائيل في مكانها.

ورغم حرص نتنياهو حتى الآن على عدم إظهار أي استياء، إلا أن مؤيديه في الإعلام الإسرائيلي لم يتوانوا عن مهاجمة نائب الرئيس الأمريكي. فقد وصف ينون ماغال، مقدم البرامج الحوارية اليميني المتطرف، فانس بـ”الحثالة”، واستخدم كلمة مهينة لليهود لوصف مبعوثي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. كما صرحت شخصية إسرائيلية بارزة أخرى، حليفة لنتنياهو، لمجلة “نيويوركر”، بأنها “مصابة بالصدمة” من الاتفاق الذي أبرمه ترامب مع إيران، وأن نتنياهو على الأرجح مصدوم أيضا. وأظهر استطلاع رأي أُجري في إسرائيل بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية انخفاضا حادا في شعبية ترامب بين الإسرائيليين.

وتقول الصحيفة إنه من السابق لأوانه إعلان قطيعة تامة في التحالف الأمريكي الإسرائيلي أو في العلاقة بين ترامب ونتنياهو. لكنهما، بلا شك، في مفترق طرق حاسم.

فالدور المحوري لإسرائيل في السياسة الأمريكية، وهيمنتها العسكرية والاقتصادية في المنطقة، التي دعمتها ومكنتها الولايات المتحدة لفترة طويلة، ونجاح جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كلها أمور باتت الآن في حالة تغير مستمر. لقد راهنت إسرائيل بكل ما تملك في هذه الجولة الأخيرة من الحرب على إيران، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة. ويتجلى الشرخ في العلاقة بوضوح في تصريحات فانس. فقد صرح مؤخرا لكاتب عمود الرأي في صحيفة “نيويورك تايمز”، روس دوثات، بأنه سيقول لوزراء اليمين المتطرف الإسرائيليين الذين انتقدوا الاتفاق مع إيران: “لا يمكنكم حل جميع مشاكل الأمن القومي بالقوة”. ثم في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض، واصل نائب الرئيس على المنوال نفسه، قائلا: “لو كنت في حكومة إسرائيل، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع”.

وتعتقد الكاتبة أن فانس بدا وكأنه يروج لعقيدة جديدة للإدارة الأمريكية تجاه إسرائيل. فقد قال لمقدم بودكاست مسيحي محافظ الشهر الماضي إنه “يتحول انتقاد إسرائيل أحيانا إلى كراهية لليهود”، مشيرا إلى خطأ الأصوات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة في “الخلط بين انتقاد حكومة معينة وكراهية اليهود”، كما أشار إلى أنه من الخطأ الاعتقاد بأن المصالح الأمريكية والإسرائيلية متوافقة دائما.

وتعلق الكاتبة قائلة إنه ليس من الواضح ما إذا كانت السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ستتغير فعلا، سواء من حيث المساعدات العسكرية أو الغطاء الدبلوماسي أو رفض كبح جماح الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى إفشال قيام دولة فلسطينية عبر عنف المستوطنين وضم الضفة الغربية.

ومع ذلك، سلطت تصريحات فانس الضوء على مشكلة حقيقية طالما حذر منها اليهود الأمريكيون ذوو الميول اليسارية: إذا كان كل شيء يمثل تهديدا لليهود، فسيصبح من المستحيل عمليا التمييز بين التهديدات الحقيقية. وبالمنطق نفسه، إذا كانت إسرائيل في حالة حرب دائمة ومع الجميع، فسيصبح من المستحيل التمييز بين التهديدات الحقيقية والمبالغ فيها، أو بين متى تكون القوة العسكرية الإسرائيلية ضرورية وفعالة ومبررة، ومتى تكون مجرد رد فعل ووسيلة للتهرب من أي اتفاق تفاوضي. مضيفة أن هذا هو الخلل الجوهري في أسلوب عمل إسرائيل الحالي، والذي سيضطر الفائز في الانتخابات البرلمانية هذا العام، سواء كان نتنياهو أو غيره، إلى مواجهته.

وقد كشفت التطورات أن إسرائيل ليست غير منيعة فحسب، بل عليها أيضا أن تفكر في تغيير استراتيجيتها، فليس لكل مشكلة حل عسكري، وبلغ فهم “الربح والخسارة” لمعنى تأييد إسرائيل حدا جعله ينفر حتى أشد مؤيديها. كما أن تبني إسرائيل لسياسة الحرب الشاملة والقوة العسكرية الدائمة، دون هدف نهائي قابل للتحقيق، يأتي بنتائج عكسية، مما يقوض فعاليتها وجدواها.

ولا يوجد مكان يتجلى فيه هذا الأمر بوضوح أكثر من لبنان. فبينما أُجبرت إسرائيل على وقف إطلاق نار آخر بوساطة أمريكية، فإنها تحتفظ بقواتها في أجزاء واسعة من جنوب لبنان، وتشن غارات تعتبرها دفاعية. وهذه وصفة مجربة لإطالة أمد الحرب. وقد أصر نتنياهو ووزير دفاعه، في أكثر من تصريح في الأيام الأخيرة، على أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في “منطقة أمنية” حتى يتم نزع سلاح حزب الله، وهو ما يعني فعليا إلى أجل غير مسمى. وقد خلق ترامب وضعا يُنظر فيه إلى أي انسحاب أو تنازل كبير على أنه ضعف واستسلام في نظر الإسرائيليين والأمريكيين على حد سواء.

ومن هنا، إذا كان ترامب وفانس جادين في تحقيق استقرار العلاقات بين لبنان وإسرائيل، فيجب أن يكون البحث عن أفضل الطرق لانسحاب إسرائيلي كامل على رأس الأولويات. ومن مصلحة إسرائيل أن تجد طرقا لبدء هذه العملية وتنفيذها بنفسها، بدلا من أن تُجبر على ذلك.

وتضيف زونشين أن الولايات المتحدة غيرت خطابها حتى الآن، لكنها لم تجبر نتنياهو بشكل كامل على اتخاذ موقف حاسم. وبنفس القدر من الأهمية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الإسرائيليون أنفسهم سيبدأون في التشكيك بمنطق إسرائيل الصفري وتحديه. وهم يواجهون منعطفا حاسما مع استعدادهم للتصويت في محاولتهم إيجاد طريقة لتجاوز ما يقرب من ثلاث سنوات من حرب مفتوحة وعزلة دولية متزايدة ونقص مأساوي في القادة الذين يقدمون أي بديل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *