تقاذف للمسؤوليات في الجزائر حول أسباب تدني نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية


توسيع المنافسة الحزبية، لم يكن كافيا لاستعادة ثقة شريحة واسعة من الناخبين أو دفعها إلى صناديق الاقتراع، ما يفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز العامل الحزبي إلى اعتبارات سياسية واجتماعية أوسع.

الجزائر ـ «القدس العربي»: أثارت النسبة المعلنة للمشاركة في الانتخابات التشريعية الجزائرية لسنة 2026 والتي لم تتعد العشرين في المئة، قلقا عاما في البلاد سواء لدى أحزاب المعارضة أو الأوساط المقربة من السلطة، مع تقاذف للمسؤوليات حول الأسباب التي أدت إلى تكريس ظاهرة العزوف الانتخابي لدى الجزائريين على امتداد الاستحقاقات السياسية الماضية.

وكانت مكاتب الاقتراع، مساء الخميس، قد أغلقت على نسبة مشاركة أولية بلغت 20.79 في المئة داخل الوطن، أي أقل بنحو 2.24 نقطة مئوية من الانتخابات التشريعية لسنة 2021 التي بلغت فيها النسبة 23.03 في المئة، وهو تراجع يكتسي دلالة خاصة بالنظر إلى أن الاستحقاق الحالي شهد مشاركة أهم الأحزاب المعتمدة في البلاد.
وفي الأرقام التي أعلنها، كشف رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، أن عدد المصوتين داخل الوطن بلغ أربعة ملايين و962 ألفا و433 ناخبا من أصل هيئة ناخبة تضم 23 مليونا و872 ألفا و756 ناخبا، فيما بلغ عدد المصوتين في الخارج 91 ألفا و170 ناخبا من أصل 854 ألفا و285 ناخبا مسجلا ضمن الجالية الوطنية.
وتحتسب نسبة المشاركة الرسمية جميع بطاقات التصويت المودعة في صناديق الاقتراع، بما في ذلك الأوراق البيضاء والأوراق الملغاة، وهو ما يعني عمليا أن نسبة المواطنين الذين منحوا أصواتهم فعليا لمترشحين أو أحزاب تقل عن نسبة المشاركة المعلنة، ما يعزز الانطباع بأن حجم الاهتمام الشعبي بالانتخابات ظل محدودا مقارنة بعدد المسجلين في الهيئة الناخبة.
وكان رفع نسبة المشاركة أحد أبرز أهداف الحملة الانتخابية لدى مختلف القوى السياسية، سواء الأحزاب الموالية للسلطة أو المعارضة، إذ اعتبرت جميعها أن ارتفاع الإقبال يمنح المؤسسات المنتخبة زخما سياسيا أكبر، غير أن جهود التعبئة لم تحقق الأثر الذي كانت تراهن عليه مختلف الأطراف.
وتبرز المقارنة مع انتخابات 2021 جانبا لافتا من المشهد السياسي. ففي ذلك الاستحقاق الذي تلا الحراك الشعبي، جرت الانتخابات في ظل مقاطعة عدد من أبرز أحزاب المعارضة، وعلى رأسها جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، بينما شهدت انتخابات 2026 مشاركة هذه الأحزاب من جديد بعد سنوات من الغياب. وكان كثير من المتابعين يعتقدون أن توسيع دائرة المنافسة السياسية وعودة هذه التشكيلات، خاصة في مناطق تمثل خزانا انتخابيا تقليديا لها مثل منطقة القبائل، سيؤدي بالضرورة إلى استقطاب عدد أكبر من الناخبين ورفع نسبة المشاركة.
غير أن النتائج الأولية جاءت مخالفة لهذه التوقعات، وهو ما يشير إلى أن توسيع المنافسة الحزبية، لم يكن كافيا بمفرده لاستعادة ثقة شريحة واسعة من الناخبين أو دفعها إلى العودة إلى صناديق الاقتراع، ما يفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز العامل الحزبي إلى اعتبارات سياسية واجتماعية أوسع.
ويؤكد هذا التطور استمرار منحى بات يتكرر في معظم الاستحقاقات الوطنية خلال السنوات الأخيرة. فقد سجل الاستفتاء على تعديل الدستور سنة 2020 نسبة مشاركة قاربت 23.7 في المئة، ثم الانتخابات التشريعية لسنة 2021 بنسبة 23.03 في المئة، بينما شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة نسبة مشاركة أعلى قاربت 50 في المئة، قبل أن تعود الانتخابات التشريعية الحالية إلى تسجيل نسبة أولية أدنى من تلك المسجلة قبل خمس سنوات.
وفي الواقع، فإن هذا التفاوت بين نسب المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية ليس جديدا، إذ غالبا ما تحظى الانتخابات الرئاسية باهتمام أكبر لدى الناخبين بالنظر إلى ارتباطها المباشر باختيار رئيس الجمهورية، في حين تواجه الانتخابات البرلمانية صعوبة أكبر في استقطاب الناخبين، بسبب اختلاف طبيعة الرهانات التي يراها المواطن مرتبطة بكل استحقاق.
ومع إعلان النتائج الأولية، برزت تفسيرات متباينة لأسباب العزوف الانتخابي، حيث قدم كل طرف قراءته الخاصة للأرقام المسجلة. واعتبر التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهو أحد أبرز الأحزاب المعارضة التي عادت إلى المشاركة بعد مقاطعة استمرت سبع سنوات، أن الامتناع الواسع عن التصويت يمثل «حكما سياسيا» على المسار الانتخابي، معتبرا أن المواطنين أداروا ظهورهم مجددا لعملية انتخابية يرى أنها «أفرغت من مضمونها».
وأضاف الحزب في بيانه أن نسبة الامتناع لا تعكس، من وجهة نظره، عزوفا عن الشأن العام، وإنما تعبر عن رفض لطريقة إدارة الحياة السياسية، معتبرا أن الأزمة ترتبط، بحسب تقديره، بتراجع الحريات وإضعاف التعددية السياسية. وفي الوقت نفسه أكد أن قراره المشاركة في الانتخابات جاء انطلاقا من قناعة بعدم ترك الساحة السياسية فارغة، ومحاولة استغلال ما هو متاح من فضاءات للعمل السياسي.
من جانبه، رأى القيادي في حزب العمال رمضان تعزيبت أن نسبة المشاركة تعكس مستوى الثقة في المسار السياسي والانتخابي، معتبرا أن إقناع المواطنين بالمشاركة لا يتحقق عبر حملة انتخابية تستمر بضعة أسابيع، وإنما يحتاج إلى عمل سياسي متواصل يسبق موعد الاقتراع بوقت طويل.
وأشار إلى أن ذلك، بحسب رأيه، يقتضي توسيع فضاءات النقاش السياسي والإعلامي، واحترام الحريات الديمقراطية، وتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة، فضلا عن التزام المنتخبين ببرامجهم ووعودهم الانتخابية، بما يساهم تدريجيا في استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي.
وأضاف أن نسبة الامتناع المرتفعة تعكس استمرار تشكيك جزء من المجتمع في الاستحقاقات التي جرت منذ حراك فبراير 2019، معتبرا أن المسألة تتجاوز الانتخابات الحالية إلى تقييم أوسع لطبيعة المسار السياسي وآليات تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
في المقابل، حملت قراءات نشرتها صحف ووسائل إعلام مقربة من السلطة جزءا كبيرا من المسؤولية للأحزاب السياسية نفسها، معتبرة أن ضعف التعبئة يعكس أزمة داخلية تعيشها كثير من التشكيلات الحزبية، تتمثل في محدودية التجديد، واستمرار هيمنة القيادات التقليدية، وضعف تداول المسؤوليات داخل الأحزاب، وهو ما أدى، بحسب هذه القراءات، إلى تراجع قدرتها على استقطاب الشباب والكفاءات.
وترى هذه المقاربات أن بعض الأحزاب تميل إلى تحميل مؤسسات الدولة مسؤولية ضعف المشاركة، بدون إجراء مراجعات داخلية لأدائها أو لخطابها السياسي، معتبرة أن الأزمة تكمن أيضا في ضعف التأطير السياسي وعجز عدد من الأحزاب عن تقديم برامج مقنعة أو بناء علاقة دائمة مع المواطنين خارج المواسم الانتخابية.
وعند النظر لتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون الأخيرة عقب إدلائه بصوته، يلاحظ أن اهتمامه ينصب أكثر على ضمان نزاهة الانتخابات وتجاوز ما وصفه بمرحلة التزوير والكوتة (تحديد النتائج مسبقا) وهي الاتهامات التي تلاحق البرلمانات السابقة في البلاد، بينما لم يتطرق لنسبة المشاركة.
ومن زاوية تحليلية، اعتبر الباحث في علم الاجتماع نوري دريس أن النتائج لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة بالنظر إلى المؤشرات التي سبقت الاقتراع، مرجحا استمرار المنحى التنازلي للمشاركة إذا لم تتغير الظروف المؤثرة في الحياة السياسية.
ويرى دريس في تدوينة له، أن المشاركة السياسية لا تبدأ يوم التصويت، وإنما تسبق ذلك بوجود فضاء عمومي يسمح بالنقاش الحر والتعبير عن الآراء وتعدد المبادرات السياسية، معتبرا أن الانتخابات تمثل الحلقة الأخيرة في مسار سياسي متكامل، وليست نقطة بدايته.
وأضاف أن الحملة الانتخابية، رغم مشاركة آلاف المترشحين وعشرات الأحزاب، لم تشهد في نظره نقاشا سياسيا واسعا حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى أو حول البدائل المطروحة لإدارة الشأن العام، وهو ما جعل التنافس يتركز في كثير من الأحيان على الجوانب التنظيمية والمحلية أكثر من تركيزه على الرؤى والبرامج الوطنية.
وحذر الباحث من أن استمرار ضعف الإقبال على الانتخابات قد يؤدي إلى انتقال جزء من النقاش السياسي خارج الأطر والمؤسسات الرسمية، معتبرا أن تعزيز المشاركة يمر، وفق تقديره، عبر توسيع فضاءات الحوار السياسي، واحترام قواعد التنافس، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتوفير بيئة تسمح بحرية النقاش والإعلام، بما يشجع المواطنين على الانخراط في الحياة العامة.
وظل البرلمان في الجزائر محل انتقاد خلال العشرين سنة الأخيرة بسبب عجزه، بحسب منتقديه، عن ممارسة رقابة فعالة على عمل السلطة التنفيذية أو فرض تعديلات جوهرية على مشاريع القوانين التي تعرض عليه. كما تعرض لانتقادات متكررة بسبب ضعف المبادرات التشريعية الصادرة عن النواب، وغياب نقاشات برلمانية مؤثرة حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *