تونس- “القدس العربي”: قال المفكر والاقتصادي الفنلندي توماس مالينن إن الكرملين يستعد لمرحلة ما بعد الرئيس فلاديمير بوتين، معتبرا أن خليفته سيكون أكثر تشددا وقد يحول روسيا إلى دولة أكثر عدوانية.
كما استنكر توقيع فنلندا اتفاقية دفاع مشترك مع أوكرانيا والولايات المتحدة، والسماح بتخزين أسلحة نووية على أراضيها.
واعتبر، من جهة أخرى، أن الهجوم البري الذي يستعد الرئيس دونالد ترامب لشنه على إيران باستخدام ميليشيات عراقية وكردية سيخلف آثارا كارثية على الاقتصاد العالمي.
دخلت فنلندا لعبة خطيرة بتوقيع اتفاقية دفاع مع واشنطن وكييف والسماح بتخزين أسلحة نووية على أراضيها
وتوماس مالينن هو عالم اقتصاد فنلندي بارز، ومعروف بتطويره نموذجا رياضيا تحليليا يقوم على نظرية “البجعة السوداء” التي ابتكرها المفكر اللبناني الأمريكي نسيم نيقولا طالب، وتقوم على توقع الأحداث النادرة وغير المتوقعة، التي تخلف تأثيرات كارثية في العالم.
ويستخدم مالينن نموذج “البجعة السوداء” أداة إنذار مبكر لمساعدة المستثمرين على الاستعداد للأزمات المالية الكبرى قبل وقوعها.
وحقق نجاحا كبيرا بعد توقعه أزمات مالية واقتصادية كبرى، على غرار الأزمة الاقتصادية بعد جائحة كورونا، وانهيار النظام المصرفي وإفلاس عدد من البنوك، على غرار بنك وادي السيليكون و”كريدي سويس” عام 2023.
وقال مالينن، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “من المرجح أن الكرملين يمتلك خطة طوارئ مسبقة للتعامل مع سيناريو غياب الرئيس بوتين أو وفاته. وأي هجوم يستهدف بوتين سيرسخ السردية التي يروج لها الكرملين بانتظام ومفادها أن “روسيا تتعرض لهجوم وجودي”، مما سيعزز هذا الاعتقاد لدى الشارع الروسي”.
وأضاف: “هذا الوضع سيضمن، بكل تأكيد، صعود شخصية أكثر راديكالية وتشددا لخلافة بوتين على “العرش”. أما مفاجأة “البجعة السوداء” (الحدث المفاجئ والكارثي) في هذا السيناريو، فستتمثل في ظهور روسيا بنهج أكثر عدوانية وشراسة”.
إذا قررت روسيا توجيه ضربات دقيقة إلى المنشآت العسكرية التابعة لحلف الناتو فستكون فنلندا هدفا سهلا
وكان مالينن حذر أخيرا من تعرض فنلندا لهجوم روسي بعد توقيعها اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة وأوكرانيا.
وأوضح بالقول: “يتزايد الضغط في روسيا لاستعادة القدرة على الردع. ويشمل هذا الضغط المحللين والشخصيات السياسية والمؤثرين، وحتى عامة الناس”.
واعتبر أن فنلندا “دخلت في لعبة خطيرة للغاية تحت قيادة رئيس الوزراء بيتري أوربو والرئيس ألكسندر ستوب. ومن أولى الخطوات التي اتخذها الرئيس ستوب توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع أوكرانيا، وهو ما أعتبره خيانة عظمى”.
وأضاف مالينن: “لقد سمحت السياسة التي انتهجها رئيس الوزراء أوربو للقوات الأمريكية بالعمل وبناء قواعد في فنلندا دون أي قيود. كما وقع وزير دفاعنا، أنتي هاكانين، اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة مباشرة بعد انضمامنا عضوا كاملا في حلف شمال الأطلسي”.
وأشار إلى أن الاتفاقية الأخيرة “سمحت بدخول القوات الأمريكية دون قيود إلى 15 موقعا عسكريا تابعا لنا. علاوة على ذلك، تقوم شركات فنلندية بتصنيع طائرات هجومية بدون طيار لصالح أوكرانيا، وهو ما يعد بمثابة دعوة لروسيا لشن هجوم ضدنا. وربما تكون القوات الأمريكية المتمركزة هنا شاركت في استهداف مواقع الطاقة الروسية بالقرب من فنلندا”.
وتابع مالينن: “أصدرت فنلندا مؤخرا قانونا يسمح بتخزين الأسلحة النووية على أراضيها، ويعد هذا تصعيدا خطيرا للغاية. فلو كنا على حدود الولايات المتحدة، وقمنا بنشر أسلحة نووية روسية، لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستنظر إلى الأمر بعين الرضا. ويجب النظر إلى الوضع من هذه الزاوية”.
وأضاف: “إذا ما قررت روسيا استعادة قدرتها على الردع عبر توجيه ضربات دقيقة إلى المنشآت العسكرية التابعة لحلف الناتو، فإننا بذلك سنكون جعلنا من أنفسنا هدفا سهلا”.
وتابع مالينن: “أتوقع أن تبدأ هذه الحملة الروسية، إن بدأت، في الفترة ما بين آب/ أغسطس وتشرين الأول/ أكتوبر المقبل”.
وكان نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديميتري ميدفيديف، أكد في تدوينة على حسابه في موقع إكس أن فنلندا ستدرج رسميا على خريطة الأهداف النووية الروسية، وذلك عقب قرار هلسنكي رفع الحظر المفروض على نشر الأسلحة النووية فوق أراضيها.
في المقابل، دعا مالينن كييف إلى اعتماد “النموذج الفنلندي لعام 1944” لإنهاء الحرب مع موسكو.
وأوضح بقوله: “نموذجنا لعام 1944 يصلح لأوكرانيا. وهذا يعني قبول خسائر إقليمية والالتزام بالحياد”.
واستدرك: “إلا أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يستطيع فعل هذا الأمر، بسبب الفصائل الفاشية المسيطرة على أوكرانيا، والتي قد تقتله. كما لن يسمح بذلك فصيل المحافظين الجدد في واشنطن والدولة العميقة في بريطانيا، لأنهم يسعون إلى تفكيك روسيا ويستخدمون أوكرانيا وكيلا. ما يقلقني هو أن فنلندا ستكون الوكيل التالي على قائمتهم”.
ولجأت فنلندا خلال الحرب العالمية الثانية إلى نموذج ذكي وبراغماتي، عرف لاحقا بـ”الفنلندية”، مكنها من المحافظة على “الحياد الإجباري” بجوار قوى عظمى معادية، حيث وقعت هدنة مع الاتحاد السوفييتي، تتضمن التخلي عن أراض معينة مقابل الحفاظ على استقلالها السيادي ونظامها الديمقراطي الرأسمالي.
من جانب آخر، حذر مالينن من أزمة اقتصادية دولية جديدة، في حال واصل الرئيس دونالد ترامب مغامرته في إيران.
واشنطن تجنّد ميليشيات عراقية وكردية لشن عملية برية ضد إيران وهو ما سيخلّف آثارا مدمرة على الاقتصاد العالمي
وأوضح بقوله: “نحن نقترب من “قاع الخزان” (مصطلح اقتصادي وسياسي للدلالة على نفاد المخزون النفطي) في أوروبا واليابان والولايات المتحدة (بسبب إغلاق مضيق هرمز)، وتختلف التقديرات فيما إذا كان أمامنا أيام أو أسابيع حتى نصل إليها (أميل إلى الاحتمال الأخير)، ولكن هناك فرصة ضئيلة للغاية لتجنبها تماما”.
وتابع مالينن: “يعود ذلك إلى أن الرئيس ترامب لن يترك إيران في حال سبيلها. فالولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في المنطقة، وتسعى جاهدة لتجنيد ميليشيات كردية وعراقية لشن هجوم بري ضد إيران. وهذا ينذر بجولة أخيرة من الحرب، ستكون لها آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي”.
وأضاف: “عندما تظهر أزمة نقص الوقود، ستفقد عمليات التلاعب بأسواق النفط (على الأرجح من قبل وزارة الخزانة الأمريكية) قبضتها، وستشهد الأسعار ارتفاعا حادا. ومن المرجح أن يؤدي الارتفاع الصاروخي في أسعار الطاقة، وما يتبعه من تسارع كبير في التضخم، وبالتالي ارتفاع أسعار الفائدة، إلى دفع الاقتصاد العالمي نحو ركود شبه فوري. ويزداد احتمال حدوث ذلك إذا لم يقر الرئيس ترامب بالهزيمة قريبا، وسيحدث حتما إذا شن هجوما بريا ضد إيران”.
من جانب آخر، رفض مالينن التعليق على تبعات السيناريو الكارثي الذي قد يصيب الولايات المتحدة والأسواق الدولية في حال تعرض الرئيس ترامب لـ”الاغتيال”.
كما أكد أنه لم يستخدم نموذج “البجعة السوداء” حتى الآن في تحليل تبعات نجاح محور “روسيا- الصين- بريكس” في إنهاء هيمنة الدولار والتسبب في انهياره كعملة احتياط عالمية، وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي.