لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا للمعلق ديفيد إغناطيوس الذي كتب مثل غيره عن احتفالات الولايات المتحدة بعيد استقلالها الـ250، وبدأ بالتذكير أن تاريخ بُناة أمريكا منذ ثورتهم ضد البريطانيين أصبح ذكرى قديمة، وأن الولايات المتحدة تشبه بريطانيا الإمبريالية في عام 1776.
وذكّر أولا بما قاله الشاعر روبنسون جيفيرز عام 1925، قائلا: “تألقي أيتها الجمهورية الزائلة” حيث كان يتحدث عن أمريكا الفاسدة في عشرينيات القرن الماضي، والتي خشي أن “تتجه نحو الإمبراطورية” الزائلة.
ويقول إغناطيوس: “لقد نجونا من ذلك الانحطاط، كما سننجو من الحاضر. لكن ينبغي أن ترشدنا مشاعر جيفيرز المزدوجة ونحن نحتفل بعيد ميلادنا الـ250: نحن نتألق كأمة، ولكن أين الانحطاط؟”.
وأضاف: “في الرابع من تموز/ يوليو، وبكل صراحة، علينا أن نعترف بأن الرجال والنساء الأمريكيين الأشداء الذين صنعوا الثورة، أصبحوا ذكرى تاريخية بعيدة. اليوم، نشبه بريطانيا الإمبراطورية عام 1776 أكثر من الوطنيين الأشداء الذين ثاروا ضدها ونحن أمة تعاني من فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء، بدلا من جمهورية المزارعين والتجار التي تخيلها مؤسسونا”.
وقال إن أمريكا في عامها الـ250 أصبحت أمة في أواخر منتصف العمر “تظهر عليها علامات واضحة للانحدار. نظامنا السياسي معطل ويبدو أن سياسيينا عاجزون عن حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكبرى ونظامنا التعليمي معطل ونتائج اختبارات أطفالنا في تراجع مستمر، كما تفكك تماسكنا الاجتماعي لدرجة أننا نشعر في كثير من الأحيان وكأننا أمتان لا أمة واحدة”.
“لم يكن الفساد يوما أمرا مفروغا منه”، هكذا قال جيفيرز. و”مع ذلك، انتخبنا مرتين رئيسا يستغل السلطة ببذخ لتحقيق مكاسبه السياسية والمالية و جمهوريته تتألق، لا شك، لكنها مزينة بزخارف ذهبية متناثرة على رفها. أبطاله هم أثرياء العصر الذهبي وسياساتهم التجارية القائمة على التعرفات الجمركية، لا الثوار الذين حملوا السلاح ضد الضرائب والتعريفات. ينشر صورا لنفسه كملك حتى ونحن نحتفل برفض تجاوزات واستبداد الملك جورج الثالث”.
ومع ذلك، كما كتب جيفيرز، تحتفظ أمريكا بـ”بريق زائل”. وبعيدا عن مستنقع واشنطن، لا يزال الأمريكيون على استعداد للمخاطرة والفشل، ويعرفون كيف يسقطون وينهضون من جديد. وقال: “نحن أمة قوية، ويبدو أنها تزداد صلابة مع مرور الزمن، ما زلنا نبتكر أفضل التقنيات وننتج أفضل الأفلام ونسجل أفضل الموسيقى وقد ننتخب قادة سيئين، لكننا نتجاوزهم”.
ويقول إغناطيوس إن السفر إلى الخارج يجعله يقدر أمريكا أكثر. وعلى مدى العقود التي قضاها في التغطية الصحافية من الخارج، كان من الواضح أن أمريكا، رغم كل أخطائها الفادحة، ظلت ركيزة الأمن والاستقرار العالميين. فقد فرضت القواعد التي ساعدت العالم على الازدهار، حتى لو استفاد حلفاؤها في كثير من الأحيان مجانا.
ورغم اعترافه بأن أمريكا لا يزال لديها ما يجعل العالم يعجب بها، إلا أنها تفقد موقعها القيادي. وتحدث عن رحلة في الأسبوع الماضي إلى تايلاند، البلد الذي كان يوما ما ضمن نطاق نفوذ أمريكا، ولكنه الآن يتأرجح بين قوتين عظميين متنافستين: الولايات المتحدة المتراجعة والصين الصاعدة. ويكتظ مطار بانكوك بالسياح الصينيين وتنتشر على جانبي الطرق السريعة لوحات إعلانية تروج للسيارات الكهربائية الصينية.
واستمع بصفته ضيفا في مؤتمر نظمته شركة كيرني الاستشارية إلى محللين أجانب يتحدثون عن تحول أمريكا إلى شريك غير موثوق به، بل ومسيء في بعض الأحيان. واتفق متحدثون من بريطانيا والهند وماليزيا على أن النظام القديم الذي تقوده الولايات المتحدة قد انتهى.
وما يتبلور الآن هو التشرذم في الشرق الأوسط ومجموعة دول “آسيان” في جنوب شرق آسيا وفي أوروبا.
وكان المتحدث الوحيد الذي احتفى حقا بالرئيس دونالد ترامب، من الصين حيث قال: “ترامب يحدث اضطرابا للجميع، ولكنه نبأ سار للصين”.
وقد تكون أمريكا تتراجع، لكن بقية العالم تملأ الفراغ. حتى مع فرض ترامب للتعرفات الجمركية، تسارع دول أخرى للانضمام إلى تحالفات التجارة الحرة الجديدة. وأشار أحد المتحدثين إلى أن التجارة تنمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد العالمي. فلم تمت العولمة، بل تعيد تشكيل نفسها وتتكيف. لقد أوقف ترامب العولمة، لكن تأثيرها لا يزال قائما، ومستقبل العولمة بقيادة الولايات المتحدة غير واضح، لذا تخطط الشركات لسيناريوهات مستقبلية متعددة.
وقال إن الكثير من التايلانديين أخبروه بأنهم لا يريدون العيش تحت الهيمنة الصينية. فهم، كغيرهم من شعوب آسيا، يخشون صعود النفوذ الصيني. لكنهم فقدوا ثقتهم بأمريكا أيضا، فـ”نحن متقلبون وأنانيون جدا، نطالب باحترام الدول الأخرى لنا، لكننا لا نستحقه”.
وقال إن اليابان هي الدولة الأكثر شعبية في جنوب شرق آسيا هذه الأيام، تلك الدولة الإمبريالية الوحشية التي كانت سائدة قبل ثمانين عاما، حيث ينظر إلى اليابانيين اليوم على أنهم جديرون بالثقة يتحلون بالصبر ويمكن التنبؤ بتصرفاتهم في عالم ليس كذلك. وختم بالقول: “كأمريكيين، ننهض، نسقط، ثم ننهض من جديد”.
وأراد جيفيرز أن يضمن لنا، في هذه الرحلة، أن نبقي أنظارنا على هدف سامٍ. كتب: “لولا أبنائي، لأبقيتهم بعيدين عن المركز المتضخم، فعندما تنهار المدن عند أقدام الوحش، تبقى الجبال”.
وقال: “أمتنا تتمتع بقدرة عجيبة على مواصلة الصعود، حتى في أحلك الظروف. وكان إعلان استقلالنا قبل 250 عاما طموحا، وما زلنا نناضل لتحقيق الوعد بأن جميع الناس خلقوا سواسية وأن هناك حقا عالميا في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. لقد حظينا بقادة صالحين وآخرين سيئين، ولكن في كل عام، مهما كانت الشدائد، نتذكر جوهر هذه القصة. ونفكر كم نحن محظوظون، حتى الآن، لكوننا جزء من التاريخ الأمريكي”.