يمكن اعتبار حدث 7 تشرين أول / أكتوبر 2023 «النقطة صفر» Ground Zero الذي بدأ منه زمن سياسي كامل تشكّل خلاله «شرق أوسط» جديد.
يمثّل مرور 1000 يوم توقيتا رمزيّا لرؤية العالم على ضوء تلك الواقعة الكبيرة. لم يكن 7 أكتوبر حدثا فلسطينيا – إسرائيليا بقي داخل الحدود الأصلية للإبادة التي تعرّض لها سكان القطاع. لقد فتح ما يشبه سلاسل الانفجار المتسلسل: سياسيا وعسكريا وقانونيا وأخلاقيا.
كشف الحدث معالم نموذجين متقابلين: نموذج المقاومة المسلحة بوصفها أداة كسر للانسداد، ونموذج القوة المطلقة الإسرائيلية بوصفها استعادة لـ»الحل النهائي» النازي للقضاء التام ليس على الخصم المفترض (حركة «حماس») بل على الفلسطينيين كقوة بشرية وثقافية وأخلاقية.
حوّل الحدث الشرعية الدولية إلى ساحة حرب، وتحوّل القانون الدولي نفسه إلى ساحة سياسية مركزية، من دعوى جنوب افريقيا أمام محكمة العدل الدولية، إلى مذكرات المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو ووزير حربه حينها، ثم توسع الاعتراف بفلسطين. وضعت هذه التطوّرات إسرائيل في وضع دفاعي جديد، ورغم حمايتها عسكريا وسياسيا من قبل الولايات المتحدة، فإنها لم تعد محمية أخلاقيا وقانونيا كما كانت من قبل.
مثل اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال بدولة فلسطين في أيلول/ سبتمبر 2025، ثم فرنسا ودول أوروبية أخرى، انتقالا مهما داخل الكتلة الغربية نفسها. المفارقة التي اكتشفتها إسرائيل أنها كلما حاولت فرض نهاية عسكرية للمسألة الفلسطينية كلما عادت فلسطين إلى مركز النظام الدولي، وانقلب زعم إسرائيل تدمير «حماس» إلى إعادة تدويل للقضية الفلسطينية لا وأدها. وتجلّى الأمر أيضا داخل الأحزاب الغربية نفسها فقد أصبحت فلسطين اختبارا لهوية اليسار، وحدود الليبرالية، ومصداقية خطابات حقوق الإنسان. لم يعد دعم إسرائيل موقفا غربيا تلقائيا بلا تكلفة داخلية.
أشعل هجوم «حماس» فتيل أزمات المنطقة برمّتها، وصولا إلى محاولة أمريكا – إسرائيل إسقاط النظام الإيراني، لكن الدرس القاسي الذي استخلصته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الضربات الهائلة التي تعرّضت لها الجمهورية الإسلامية لم تؤد إلى إفقادها المبادرة. إضافة إلى شنّها ضربات موجعة لإسرائيل، والقواعد الأمريكية، عطّلت إيران مضيق هرمز واستهدفت ناقلات النفط ودول الخليج العربي مما أدى لضغوط هائلة على الاقتصاد العالمي.
مثّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أحد تداعيات «النقطة صفر»، وساهم صعود أحمد الشرع، في تغيير خريطة «محور الممانعة» جذريا فلم تعد سوريا ممرا مضمونا لإيران إلى لبنان، وتغيّرت بالنسبة لإسرائيل قواعد اللعبة فتبدّل النظام الذي كانت تعرف مفاتيحه وصارت أمام سوريا جديدة لا تعرفها تماما. وشكل انتخاب جوزف عون رئيسا للبنان وتكليف نواف سلام برئاسة الحكومة تحولا سياسيا واضحا في لبنان، لكن هذا التحول لم يعن خروج لبنان من معادلة «حزب الله» بل جعله ساحة اختبار لإمكانية بناء دولة جديدة بعد حرب كبرى.
بعد ألف يوم على الحدث، وبعد أن دفع الفلسطينيون الكلفة الأبهظ في تاريخهم الحديث، يواجه الشعب الفلسطيني سيناريوهات عديدة، وإذا كان أكثرها واقعية على المدى القريب هو نظام إدارة الكارثة، ومخاطر انفجار الضفة ونقل مركز الصراع إليها، فإن الناظر إلى المدى البعيد سيرى ارتداد فكرة «الإفناء النهائي» على إسرائيل. لقد اعتادت الدولة العبرية أن الردع يعني خوف الخصم من الثمن، لكن 7 أكتوبر كشف أن الفلسطينيين قد يقبلون ثمنا هائلا إذا رأوا أن الوضع القائم أسوأ من الانفجار.
فتح الحدث الكبير أبواب الاحتمالات الهائلة فأظهرت بوادر تراجع القوة الأمريكية في العالم، ودخول القضية الفلسطينية عصرا جديدا تدار فيه عبر المحاكم الأممية، والجامعات، والنقابات، وحملات المقاطعة، ومنصات التواصل، وأدوات التوثيق الرقمي، كما أظهرت بوادر تحول إسرائيل من دولة «طبيعية»، في عرف العالم، إلى «قلعة» لشن «حروب دائمة».
أخيرا، كشف الحدث للفلسطينيين أن المعركة ليست عسكرية فقط بل معرفية أيضا، وأن نقد القوة الإسرائيلية لا يكفي وأن المطلوب تحويل التعاطف العالمي الهائل إلى مشروع سياسي موحد وليس إلى رصيد أخلاقي فحسب.