«من الجذور إلى المسارات»… الفن السوداني في مرايا الشتات


لندن- «القدس العربي»: يستضيف غاليري «Almas Art Foundation» في لندن معرض «من الجذور إلى المسارات»، الذي افتُتح في 21 مايو/أيار ويستمر حتى 18 يوليو/تموز 2026، بمشاركة الفنانات فيروز عمر، وعائشة حسين شريف، ونصرة مأمون، وستيفانيا إنديلكاتو. ويضم المعرض، إلى جانب الأعمال الفنية، سلسلة من الفعاليات التفاعلية التي تستكشف التراث البصري السوداني من خلال تجارب فنانات من الشتات يعملن بوسائط متنوعة، تشمل الرسم الزيتي، وفن النسيج، والتركيبات الفنية وغيرها. وتسلّط هذه الأعمال الضوء على ثراء الفنون البصرية السودانية وتعدّد تجلياتها خارج حدود الوطن، فيما تولّت فكرة المعرض وتنسيقه المصوّرة ومنتجة الأفلام فريديريك سيفوينتيس.
عمق رنين عاطفي:
العمل الفني الذي شاركت فيه فيروز عمر، التي تخرجت في قسم النحت، كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الخرطوم، ودرست بعدها في أكاديمية الفنون في مدينة كاسل في ألمانيا، وتقيم حاليا في المملكة المتحدة، يحتل مساحة كبيرة من المعرض، ويتكون من ثلاث قطع أساسية، عبارة عن تكوينات تشغل الفراغ: دمى مجردة في الجانب الأيمن ودمى تشكل وجوها تتدلى من السقف، إلى جانب تكوينات مجردة من السلك على الجانب الأيسر من المساحة؛ فيروز تقول عن تجربتها: «لطالما واجهتُ تحدي اختزال أعمالي إلى مجرد تصنيف «الفن الافريقي»، وهو تصنيف يُهدد بتسطيح تعقيداتها وفرض أطر مُقيِّدة. ولذلك، اخترتُ العمل بمواد بسيطة ومتواضعة وخام، ليس كقيد، بل كلغة فنية مُتعمَّدة. من خلال هذا النهج، أستكشف كيف يمكن للبساطة أن تحمل في طياتها عمقا وتعقيدا ورنينا عاطفيا».
عائشة حسين شريف عرضت عددا من القطع الفنية (زيت على قماش). تقول: «الفن التجريدي، بالنسبة لي، يدور حول التواصل، لا الوضوح، وأسعى إلى خلق هذا التواصل من خلال لغة اللون والشكل. تُوحي هذه القطع بالسكينة، بينما تُضفي ألوانها الداكنة وخطوطها الغامضة لمسة من الغموض، ينساب المرء مع اللوحة، وكأنه يُسحب برفق إلى عالمها، معلقا فيه؛ بصفتي رسامة تجريدية، يعكس عملي المشاعر والطاقة والحركة التي أختبرها في حياتي اليومية. يستهويني اللون والملمس والشكل لأخلق تركيبات تدعو المشاهد إلى الشعور بدلا من التفكير؛ أسلوبي في الرسم حدسي وعفوي؛ أدع كل ضربة فرشاة أو شكل أو علامة تقودني إلى ما يليها. هذه الحرية تسمح لعملي بالتطور بشكل طبيعي، وغالبا ما تُفاجئني النتيجة النهائية للوحة».

جواهر ومشغولات فنية:


الفنانة نصرة مأمون والفنانة ستيفانيا إنديلكاتو، قدمتا أعمالا عبارة عن مشغولات فنية وجدت اهتماما كبيرا من رواد المعرض، تقول نصرة: «بالنسبة لي، المجوهرات أكثر من مجرد زينة، إنها حالة وجود، ما ترتديه يعكس مزاجك وهويتك وحضورك في لحظة معينة، تحمل كل قطعة معنى خاصا، يتشكل من خلال المادة واللون والشكل، أهدي هذا العمل لضحايا الحرب العبثية في بلدي». أما ستيفانيا فتقول: «يعكس عملي حوارا مستمرا بين الجذور والمسارات، بين الإرث والحركة، بين الذاكرة والإبداع، إن المشاركة في هذا المعرض، في هذا الفضاء الذي يُكرّم الفنانات السودانيات وأصوات الشتات له معنى خاص بالنسبة لي أشبه بالعودة إلى الوطن».

لغات وأفكار فنية جديدة:
المصورة ومنسقة المعرض فريديريك سيفوينتيس تقول لـ»القدس العربي»: «يحتل الفنانون والفنانات في المنفى مكانة محورية في تشكيل مستقبل الفن السوداني، إذ يقفون جنبا إلى جنب مع الرواد كشخصياتٍ تأسيسيةٍ في الإرث الفني للبلاد. تُثري تجاربهم في النزوح والتفاوض الثقافي والحياة في الخارج أعمالهم برؤى جديدة تُعمّق وتُوسّع السرد البصري في السودان.
يُشكّل هؤلاء الفنانون المنفيون بالنسبة للجيل القادم من المبدعين، قدوة ومصدر إلهام، حيث تبرز تجاربهم وأعمالهم، كيف يُمكن للإبداع أن يصمد ويتحوّل حتى في أحلك الظروف؛ من خلال ربط التراث السوداني بالتأثيرات العالمية، يُقدّمون لغاتٍ وأفكارا فنية جديدة، مراهنين بذلك على بقاء الفن السوداني نابضا بالحياة ومُلائما في عالمٍ سريع التغير، لا يقتصر إرثهم على الحفظ والتوثيق فقط، وإنما يشمل أيضا الابتكار، مُقدّمين للفنانين الشباب مثالا حيا على الصمود والقدرة على التكيف».

حواريات.. عروض أفلام وموسيقى:
شهد المعرض فعاليات ثقافية عدة، حيث قدمت هدى خيره، حوارية بعنوان (اللالئ واللوتس: ما وراء الألوان واللوحات) مع التشكيلي السوداني أحمد جابر، يوم 23 مايو، وقدمت هدى أيضا حوارية بعنوان (بعنوان أصداء الفن السوداني: روابط مدى الحياة وإرث حي) مع التشكيلية الصومالية كينزي عبدالله يوم 28 مايو؛ مساء 11 يونيو/حزيران شهد حفل استقبال وحوارات مع عدد من الفنانين ومنسقي المعارض الفنية على خلفية موسيقية حية، وتم عرض مقتطفٌ من فيلم «لا حياة على المريخ» للمخرج عماد إدريس ياسين، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي هذه السنة، الفيلم السوداني القصير «الست» من إنتاج سنة 2021 للمخرجة سوزانا ميرغني- الفعالية خصصت لجمع تبرعات لصالح متضرري الحرب في السودان.
فعالية يوم 20 يونيو أدارت فريديرك منسقة المعرض حوارا مباشرا جمعها مع الفنانات المشاركات ومناقشة تجاربهم الفردية، واهتماماتهم المشتركة، والتحديات والفرص التي يواجهها الفنانون السودانيون مجملا في العمل داخل السودان وخارجه، وسلط النقاش الضوء على دور الفن البصري كشكل من أشكال المقاومة، وأداة للحفاظ على التراث الثقافي، ومساحة للإبداع في أوقات التحول، شارك فيه الحضور بأسئلة ومداخلات دارت أغلبها حول الفن ومدى مقدرته على أن يُشكّل الواقع السياسي والعاطفي المُعقد في السودان اليوم، وكيف يتأثر به. ولا تزال هناك عروض أزياء، وعروض أفلام وفعاليات أخرى تنتظر دورها قبل اختتام المعرض.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *