الناصرة- “القدس العربي”: اعتبر “معهد دراسات الأمن القومي” التابع لجامعة تل أبيب، أن معركة الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي باتت تشكل التحدي الاستراتيجي المقبل لإسرائيل، محذراً من مخاطر الاعتماد الكلي على قوى خارجية في هذا المجال، حتى وإن كانت الولايات المتحدة.
وأشار التقرير الصادر عن المعهد إلى أن الذكاء الاصطناعي تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز محاور التنافس الدولي، حيث تضخ الدول والشركات موارد غير مسبوقة لتطوير نماذج متقدمة وبنى تحتية حاسوبية. وأوضح أن النظرة الحكومية لهذه التكنولوجيا تبدلت عميقاً؛ فبعد أن كانت مجرد منتجات تجارية تطورها شركات خاصة في سوق عالمية مفتوحة، بات هناك إدراك متزايد بأنها “بنية تحتية استراتيجية” تمس مباشرة القوة الاقتصادية، والتفوق التكنولوجي، والأمن القومي.
وبالنسبة لإسرائيل، يرى المعهد أن هذا التحول يمثل مسألة حيوية. ورغم متانة التعاون مع واشنطن، ينبه التقرير إلى أن الحلفاء المقربين قد يجدون أنفسهم رهناً لقرارات تنظيمية، أو أمنية، أو سياسية تُتخذ خارج حدودهم. ولا يقتصر هذا الاعتماد على البرمجيات والنماذج الذكية فحسب، بل يمتد إلى مراكز الحوسبة السحابية، والرقائق الإلكترونية، والبنى التحتية الحرجة.
وأضاف التقرير: “كلما تعاظم اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية والصناعات المتقدمة على الذكاء الاصطناعي، تضاعفت أهمية ضمان وصول مستمر وموثوق إلى هذه القدرات”.
وقدم المعهد توصيات في هذا المضمار منها العمل على ضمان وصولٍ طويل الأمد إلى أكثر النماذج تقدماً في العالم، عبر حوار استراتيجي مع الإدارة الأمريكية، ومع الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. ونبه إلى أنه يجب النظر إلى الوصول إلى النماذج المتقدمة، باعتباره مصلحة وطنية، وإدراج هذا الموضوع ضمن الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التي ترى أن الدول تُحدَّد بقدرتها على ضمان وصول موثوقٍ به إلى جميع البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك النماذج المتقدمة.
كما أوصي المعهد بأن تسرّع إسرائيل الاستثمارات في البنى التحتية الحاسوبية المحلية، وهذا لا يعني أنه عليها أن تصبح مستقلة تماماً، بل أن تمتلك قدرات أساسية تمنحها مرونة استراتيجية في حال حدوث تغيّرات في البيئة الدولية. وتشمل هذه القدرات، من بين أمور أُخرى، إمكان الوصول المستقل إلى موارد الحوسبة وبنى تحتية سحابية مؤمنة، وتشغيل النماذج المتقدمة في بيئة محلية عند الحاجة، وتطوير قدرات مكملة في المجالات التي تتمتع فيها إسرائيل بميزة نسبية، مثل الأمن السيبراني والدفاع والصحة.
ثالثا، أوصى المعهد بضرورة تعزيز تطوير نماذج مخصصة في المجالات ذات الأهمية الوطنية، لا سيما في مجالات الدفاع، والاستخبارات، واللغة العبرية، والأنظمة الحكومية. ونوه بأن الهدف من هذه الخطوة ليس منافسة النماذج العالمية، إنما تقليص الفجوات وخلق قدرات مكملة.
رابعا، أوصى التقرير بدراسة إنشاء آلية حكومية دائمة لمتابعة التبعية التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وحسب المعهد ستكون مهمة هذه الآلية رسم خريطة للمخاطر، تحديد الاختناقات الاستراتيجية وصوغ بدائل من الحالات التي يتضرر فيها الوصول إلى التقنيات الحيوية.
وفق التقرير، ينبغي لإسرائيل أن تشارك بصورة فاعلة في صوغ قواعد اللعبة الدولية في مجال الذكاء الاصطناعي. ويضيف في هذا السياق “مثلما هي الحال في مجالَي الأمن السيبراني والابتكار، فإن هذا المجال أيضاً يتطلب انخراطاً دبلوماسياً وتكنولوجياً يضمن أخذ المصالح الإسرائيلية في الحسبان. علاوةً على ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الاستراتيجية الوطنية الإسرائيلية للذكاء الاصطناعي”.
ويقول “المعهد” إن قرار الحكومة بشأن تعزيز مجال الذكاء الاصطناعي عبر الاستثمار في البنى التحتية الحاسوبية، ورأس المال البشري، والبحث والتطوير، والخدمات العامة، والابتكار والذي أُقرّ في حزيران/يونيو 2026، يمثل خطوة مهمة وذات دلالة.
ويقول أيضا إن الواقع الجديد يفرض على الدول أن تطرح أيضاً سؤالاً آخر: هل سيكون لديها في المستقبل إمكانات وصول إلى أكثر النماذج تقدماً، وتحت أي شروط؟ وبعبارة أُخرى، لا يمكن لسياسة وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي أن تقتصر على تطوير القدرات المحلية فحسب، بل يجب أن تعالج أيضاً إدارة التبعية الاستراتيجية للمورّدين العالميين.
وبناءً على ذلك، يوصى المعهد بإدراج ركيزة مخصصة ضمن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، تتمثل في أمن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي. وبرأي “المعهد” ستشمل هذه الركيزة إعداد خريطة لاعتماد إسرائيل على النماذج الأجنبية، ودراسة المخاطر الناجمة عن القيود المستقبلية على الوصول، تطوير آليات احتياطية وآليات لضمان استمرارية العمل، وتعزيز التعاون الاستراتيجي مع الدول والشركات الرائدة في هذا المجال. وأشار إلى أنه على غرار ما هو متّبع في سياسات الطاقة والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد، فإن مجال الذكاء الاصطناعي أيضاً يتطلب الانتقال من التفكير في الكفاءة فقط إلى التفكير في المناعة والوفرة التكنولوجية والقدرة على الصمود. وعلى المدى الطويل، يقول تقرير المعهد إن أحد مؤشرات النجاح الرئيسية للاستراتيجية الإسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي لن يكون فقط في عدد الشركات، أو الباحثين، أو الاستثمارات في هذا المجال، بل أيضاً في قدرة إسرائيل على ضمان وصولٍ موثوق به ومستمر ومستدام، إلى أكثر قدرات الذكاء الاصطناعي تقدماً في العالم، حتى في فترات التوترات الجيوسياسية، أو التغيّرات في سياسات التصدير التي تعتمدها الدول الرائدة.
وحسب معهد دراسات الأمن القومي، فإن الانتقال من سيادة البيانات إلى قيود الوصول ذات الطابع الأمني يشير إلى ظهور بُعد جديد في المنافسة التكنولوجية العالمية. ويعلل ذلك بالقول إنه في المستقبل، لن يُطلب من الدول حماية بياناتها فحسب، بل أيضاً ضمان قدرتها على الوصول إلى أكثر القدرات المعرفية تقدماً. وبالنسبة إلى إسرائيل، يرى المعهد أن التحدي الرئيسي لا يقتصر على الحفاظ على التفوق الأمني، بل يشمل أيضاً المحافظة على قدرة الاقتصاد على الابتكار والنمو. ويسوغ رؤيته بالقول إنه في عالم يصبح الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مورداً استراتيجياً، ستكون قدرة إسرائيل على ضمان وصول مستمر إلى هذه القدرات عاملاً حاسماً في رسم مستقبل قطاع التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلي والبحث العلمي، وميزته التنافسية.