لن تستطيعوا طمس الحقيقة.. العالم كله يراكم “دولة إبادة جماعية”   


وجه غادي تاو في نهاية الأسبوع الماضي انتقاداً شديداً لـ “هآرتس”. ففي صحيفة “مصدر أول” قال إن مهمة “هآرتس” الأيديولوجية هي تفكيك الدولة اليهودية، وإنها من أكثر أدوات اللاسامية فاعلية في العالم. هذا الادعاء فارغ ولا أساس له من الصحة. ولن أرد هنا نيابة عن الصحيفة أو نيابة عن المخاطبين الرئيسيين الذين يوجه تاو حديثه إليهما: الناشر عاموس شوكن، والمحرر ألوف بن. سأرد بصفتي أحد كتاب الصحيفة، الذي قد يختلف موقفه أحياناً بشكل كبير عن مواقف معظم الكتاب فيها، لا سيما بصفتي أحد قرائها المخلصين.

 “هآرتس” لا تمثل لدي ولدى أمثالي، فقط إعلاماً لا غنى عنه، خصوصاً في واقع إعلامي بائس في البلاد، بل إن إسرائيل من دونها ستكون دولة مختلفة؛ ليست سيئة في نظر نفسها فحسب، بل وفي نظر العالم، وفي أماكن ما زالت تقدر فيها حرية التعبير والشجاعة ومعايير الصحافة، وهي قيم كادت تنسى كلياً في إسرائيل.

لا يمكن توجيه مثل هذه الاتهامات للصحيفة إلا من قبل من يجهل دور الصحافة. تعرف “هآرتس” نفسها بأنها صحيفة صهيونية، تناضل من أجل إسرائيل عادلة وديمقراطية بطريقة لا تنافسها فيها أي وسيلة إعلام أخرى. ربما يكون الناشر والمحررون قد غيروا بعض مواقفهم في السنوات الأخيرة، وهذا أمر يسرني وأتفاخر به، لكن دور الصحيفة كان وما زال عندهم هو الحفاظ على دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية، في حين يسعى الجميع تقريباً إلى تقويضها.

 حسب رأيي، يجب الاختيار بين الديمقراطية واليهودية، لأنه في دولة تعيش فيها قوميتان وثمة تناقض جوهري بينهما، فأنا وأمثالي اخترنا الديمقراطية، في حين اختار تاو وأمثاله اليهودية. وما زالت “هآرتس” تؤمن بوجود الاثنتين. لن تكون ديمقراطية في واقع وجود شعبين ودولة واحدة، لذلك فإن الخطر الأكثر ضرراً الذي يلحق بإسرائيل ونهايتها القريبة كدولة ديمقراطية، يقع على عاتق تاو وأمثاله. هذا ليس تشهيراً بالبلاد في الخارج، فالعالم يرى دولة إبادة جماعية ونظام فصل عنصري، بدعم متحمس من معظم وسائل الإعلام فيها، ويستنتج (الاستنتاج الصحيح) بأن حكومة اليمين لا تمارس الفصل العنصري فحسب، بل إن وسائل الإعلام تسوقه أيضاً.

بهذا المعنى، لا تمتلك إسرائيل حتى الآن وسيلة إعلامية أكثر فعالية من “هآرتس”. يعتقد كثيرون من الذين ينتقدون إسرائيل أن الصحيفة مجرد غطاء يجب كشفه. ربما يكونون على حق، ففي هذه الأثناء تستخدم الصحيفة آخر ورقة رابحة لإثبات وجود “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وهي حرية التعبير في “هآرتس”، الأمر الذي يسمح لي ولأمثالي بالتعبير عن مواقف الأقلية المهمشة والمرفوضة من دون خوف.

 لولا صحيفة “هآرتس” لما عرفت إسرائيل بوجود احتلال، ولولاها لما عرفت إسرائيل بوجود انقلاب يهدف إلى تدمير ديمقراطية اليهود، بل وحتى لولا “هآرتس” لكانت إسرائيل جنة عدن! والمستوطنات جنة! الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم! لا يوجد فلسطينيون أبرياء! حتى ولا بنو بشر! “هآرتس” تدحض كل هذه الأكاذيب القبيحة وتفسد احتفال تاو وأصدقائه بالدعاية. هم يحققون نجاحاً كبيراً في إسرائيل وفشلاً ذريعاً في الخارج. هناك يعرفون الحقيقة لأنهم لا يحصلون على المعلومات من القناة 12 وصحيفة “يديعوت أحرونوت”.

على مدى أربعين سنة كنت أسافر كل أسبوع تقريباً إلى المناطق المحتلة لتوثيق جرائمها. وقد وجد تاو، للمرة الألف، بين أكوام المقالات الكثيرة، مقال واحد ربما لم يثبت بالكامل، لنفترض ذلك. وإذا لم يكن هذا مشروعاً صحفياً فلا توجد لدي أي فكرة عن المشروع الصحفي. إذا كان التستر على الجرائم صهيونية، فلنكن جميعاً مناهضين للصهيونية. وإذا كان الإعلام دعاية، فلنتخلّ عن هذه الآلية الديمقراطية المهمة جداً.

يا تاو، أنا أتفاخر بالكتابة في “هآرتس”، وأتفاخر بالعيش في دولة فيها “هآرتس”. ولو كان الأمر بيدك وبيد أمثالك من السياسيين، لأُلغيت هذه الصحيفة منذ زمن.

جدعون ليفي

 هآرتس 2/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *