شاهدت بالصدفة مقطع فيديو قصيراً لا يتجاوز ثواني معدودة، لكنه بقي يطاردني ساعات طويلة بعد أن انتهى. كانت امرأة شقراء تقف عند إشارة مرور مكتظة بالسيارات والمارة. لم تكن في مسرح، ولا على منصة، ولا تحيط بها كاميرات احترافية أو جمهور ينتظر العرض. كانت المدينة وحدها جمهورها. وما إن توقفت السيارات حتى بدأت ترقص.
لم يكن رقصها استعراضًا، ولم يكن محاولة لاصطياد الأنظار كما قد يظن البعض، بل بدا وكأنه امتداد طبيعي لحركة الهواء، وكأن الموسيقى التي تسمعها لا يسمعها أحد غيرها. كانت تدور بتنورتها الغجرية الواسعة، ترفع ذراعيها بخفة، وتبتسم للعالم كما لو أنها تعرف سراً كبيراً لا يعرفه أحد. الغريب أن المارة لم يبدوا منزعجين، بل كانوا يبتسمون، وبعضهم أخذ يصورها، وآخرون صفقوا لها، فيما عبرت السيارات بعد أن تحولت لحظات الانتظار المملة إلى عيد صغير في منتصف الطريق.
أغلقت الهاتف وأنا أفكر: كم نحتاج نحن أيضاً إلى امرأة ترقص في منتصف خوفنا؟
هذا الجمال الأنثوي المشع يحدث عندما تكون المرأة منسجمة مع جسدها ومستغرقة في ذاتها، وقابلة لأن تكون ابنة الشمس والهواء الطلق بروح عظيمة تتسلل نحو البنايات المجاورة والمحلات المتناثرة حتى تشمخ بين الطرقات التي تماهت مع حلاوتها. هكذا تكون المرأة عندما تمتهن الثقة بالنفس مع هامش من الحرية السعيدة. هذه الحسناء يمكنها في تلك اللحظة التي جعلتها تتوحد مع المحيط والأغنية وتنورتها الغجرية أن تجعل المدينة كلها ترتدي ثوباً أخف، وأن تشرق فوق سطوح البيوت قبل أن تشرق الشمس نفسها.
أنوثتها الطاغية لم تكن تستجدي الاعتراف، بل كانت تمنحه للآخرين. كانت تنثر الحب والنور حتى إن طاقتها مشت نحو كل من يشاهدها مثل صعقة كهربائية توقظ شيئاً نائماً في داخله. فجأة لم تعد الإشارة المرورية مكاناً لتنظيم السير، بل أصبحت ساحة صغيرة تحتفل بالحياة، وصار الغرباء أقل غربة، والمدينة أقل قسوة.
وربما هنا يكمن الفارق بين المرأة التي رقصت هناك، وبين آلاف النساء اللواتي أعرفهن هنا.
هذه المرأة ربما تشبهنا جميعاً، لكن الفرق أنها ممسكة جيداً بالتيار الذي يسري في أوردة روحها، لأنها استطاعت أن توفق بين كل هذه المتناقضات وتؤممها لصالحها. أما نحن فلا نعرف كيف نطبخ هذه الخلطة جيداً. نخاف من أجسادنا طوال الوقت لأنها ارتبطت، منذ طفولتنا، بفكرة العار أكثر مما ارتبطت بالحياة. نخاف من الطرقات لأنها قابلة لافتراسنا، ومن الضحكة العالية لأنها قد تفسر خطأ، ومن الفستان الجميل لأنه قد يتحول إلى لائحة اتهام، ومن الرقص لأنه تهمة جاهزة، ومن الفرح لأنه يبدو سلوكاً مريباً في مجتمعات تعودت أن ترى المرأة وهي تعتذر عن وجودها.
نحن لا نحارب أنوثتنا لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية إلى الحد الذي أخاف الجميع. لذلك نحاصرها بالوصايا والتعليمات والرقابة والذنب، حتى تكبر المرأة وهي تعتقد أن كل ما فيها يحتاج إلى اعتذار. تعتذر عن صوتها، وعن جسدها، وعن عمرها، وعن ضحكتها، وعن نجاحها، وحتى عن جمالها إذا صادف أن كانت جميلة.
ولهذا شعرت، وأنا أشاهد تلك الحسناء، أنها لا تختلف عنا كثيراً. أراهن أن كل النساء في بلادي سيشعرن بأنها تشبههن في لحظة خاطفة من الزمن. لأن داخل كل واحدة منهن امرأة كانت تريد أن ترقص يوماً في الشارع، أو تغني بصوت مرتفع، أو تمشي دون أن تراقب خطواتها، أو ترتدي اللون الذي تحبه من غير أن تخشى عيون المارة. لكن تلك المرأة بقيت حبيسة، تكبر بصمت، حتى نسيت شكلها الحقيقي.
ولو عرفت الأنوثة الحقيقية طريقها إلى العالم، لحكمت النساء العالم لا بالقوة، بل بالجمال، ولأصبحت المدن أكثر رحمة، والشوارع أكثر أماناً، والبيوت أقل ضجيجاً، والأطفال أكثر طمأنينة. فالأنوثة، حين تتحرر من الخوف، لا تنتج الفوضى كما يخيل للبعض، بل تنتج الحياة نفسها.
وسأعلنها معكم، سأكون ملكة البطيخ الأحمر، وأدعوكم إلى وليمة كبيرة على شرف الأنوثة التي انتصرت من خلال نسائها المشعات. إلى ذلك الحين، لا تقترب بسهولة يا صديقي الرجل، لأن هذا النوع من النساء معديات بإشعاعاتهن؛ ربما تحترق، وربما تضيء فجأة، حسب درجة رقتك، وحبك، أو عدوانيتك.
ذلك لأن المرأة التي تصالحت مع نفسها لم تعد قابلة للهزيمة بالأساليب القديمة. لا تقبل أن تبكي طويلاً بسبب قصة حب، ولا تجعل رجلاً محور الكون، بل إذا غادرها أحد، حولته إلى تمثال من البرونز، يشفق عليه المارة ويدسون في معطفه الدنانير، بينما نشاهدها هي في الطريق المجاور، تلف تنورتها الغجرية، تصد المعجبين بابتسامة هادئة، وتكمل مهمتها الوحيدة: أن تبث النور في مدينة صغيرة، وأن تذكرنا جميعاً بأن الحرية، في النهاية، قد تبدأ برقصة عابرة عند إشارة مرور.