موريتانيا تواجه صراعاً فجره تحالف دول الساحل الموجودة على حدودها مع شركائها العسكريين والأمنيين في الغرب



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: لم يعد التحدي الأمني الذي تواجهه موريتانيا مقتصراً على خطر الجماعات المسلحة العابرة للحدود، بل بات يتخذ أبعاداً جيوسياسية أكثر تعقيداً مع تصاعد التوتر بين تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وشركاء موريتانيا العسكريين والأمنيين الغربيين.
ففي ظل إعادة رسم موازين النفوذ في منطقة الساحل، تجد نواكشوط نفسها على تماس مباشر مع صراع تتقاطع فيه الحسابات الأمنية والاستراتيجية والدبلوماسية، وهي مطالبة بالحفاظ على شراكاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا، دون التفريط في علاقات الجوار مع دول تشترك معها في حدود طويلة وتهديدات أمنية واحدة.
وبين هذين المسارين، تواجه موريتانيا اختباراً دقيقاً للحفاظ على سياسة التوازن التي انتهجتها خلال السنوات الأخيرة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
ولم يعد الساحل فضاءً رمليًا مفتوحًا على احتمالات الأمن والتنمية فقط؛ بل أصبح مسرحًا لإعادة كتابة خرائط النفوذ.
فلم يجتمع وزراء خارجية مالي وبوركينا فاسو والنيجر أمس في باماكو لمجرد تنسيق المواقف، بل لتثبيت خطاب سياسي جديد يقول إن زمن الوصاية انتهى، وإن عواصم الساحل الثلاث قررت أن تتحدث بصوت واحد في مواجهة الضغوط الغربية.
ويضع هذا التحول موريتانيا في زاوية دقيقة، فهي ليست عضوًا في حلف الساحل، ولا تريد أن تكون خصمًا له، لكنها في الوقت نفسه بقيت تقريبًا الدولة الوحيدة في الجوار الساحلي التي تحتفظ بعلاقات أمنية وعسكرية مفتوحة مع فرنسا وحلف الناتو.
وهنا يبدأ الحرج الحقيقي: كيف تحافظ نواكشوط على شراكاتها الغربية دون أن تبدو جزءًا من جبهة مضادة لجيرانها؟ وكيف تؤمّن حدودها الشرقية الملتهبة دون أن تستفز كتلة إقليمية صاعدة ترى في النفوذ الغربي أصل الأزمة؟
مثل اجتماع باماكو خطوة أبعد من التحالف العسكري، فقد انتقل حلف الساحل من خطاب الدفاع المشترك إلى محاولة بناء دبلوماسية جماعية تشمل تنسيق للمواقف، والتشاور قبل المحافل الدولية، وإعداد مشترك للاستحقاقات الأممية، ومحاولة تحويل العزلة التي فرضتها الأزمات والانقلابات والعقوبات إلى قوة تفاوضية.
وبذلك لم تعد مالي وبوركينا فاسو والنيجر ثلاث حالات منفصلة، بل كتلة سياسية تسعى إلى فرض نفسها كعنوان جديد في غرب إفريقيا.
أما جوهر الرسالة فهو واضح؛ فالغرب، بالنسبة لتحالف دول الساحل، الشريك الحصري، وفرنسا لم تعد المرجعية الأمنية، ومجموعة «الإيكواس» لم تعد الإطار الإقليمي الوحيد.
وفي مقابل هذا، تفتح دول الحلف أبوابها أكثر أمام روسيا وتركيا والصين وشركاء غير غربيين، في صيغة تقوم على تنويع التحالفات ورفع كلفة الضغط الخارجي عليها.
لكن هذه الديناميكية لا تخلو من هشاشة؛ فحلف الساحل يواجه تحديات أمنية عميقة، واقتصادات منهكة، ومناطق واسعة خارجة عن السيطرة الفعلية للدولة. لذلك، فإن وحدته الدبلوماسية قد تمنحه صوتًا أعلى في الأمم المتحدة، لكنها لن تكون كافية وحدها ما لم تُترجم إلى تحسن أمني ومعيشي ملموس داخل الدول الثلاث.
وبالنسبة لموريتانيا، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا؛ فمن جهة، تحتاج نواكشوط إلى التعاون الأمني الغربي في التدريب، والاستخبارات، وبناء القدرات، خصوصًا في ظل حدود طويلة مع مالي وتنامي مخاطر التسلل والتهريب والجماعات المسلحة. ومن جهة أخرى، تدرك أن جيرانها الشرقيين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي حضور غربي في المنطقة، وأكثر ميلاً إلى قراءة الشراكات الفرنسية والأطلسية بوصفها امتدادًا لنفوذ سياسي مرفوض.
لذلك، تتحرك موريتانيا ضمن معادلة دقيقة: لا قطع مع الغرب، ولا تصعيد مع حلف الساحل.
وهذه هي دبلوماسية «الحياد الحذر»، أو بالأحرى «الحياد المسلح» التي انتهجها الرئيس الغزواني منذ وصوله للسلطة، والمؤسسة على احتفاظ بالشراكات الدفاعية، مع خطاب رسمي يفضّل التهدئة، وحسن الجوار، وعدم التدخل، وفتح قنوات التواصل مع الجميع.
ويتضاعف الحرج الموريتاني بسبب آخر، وهو أن نواكشوط نجحت خلال السنوات الماضية في تقديم نفسها كنموذج استقرار في محيط مضطرب؛ وقد جعلها هذا النجاح شريكًا مفضلًا للغرب، لكنه قد يجعلها أيضًا موضع شك لدى محور الساحل الجديد إذا لم تُحسن إدارة صورتها الإقليمية.
فكلما شددت باريس والناتو على أهمية موريتانيا، زادت حاجة نواكشوط إلى طمأنة باماكو ونيامي وواغادوغو بأنها ليست منصة خلفية لأي أجندة ضدهم.
والمفارقة أن موريتانيا تحتاج إلى الطرفين معًا، فهي بحاجة إلى الغرب لتقوية قدراتها الأمنية والاقتصادية، وتحتاج إلى حلف الساحل لأن أمنها الحدودي لا يُدار من بروكسل أو باريس فقط، بل من الواقع اليومي الممتد على تخوم مالي. وسيؤثر أي توتر مفتوح مع باماكو مباشرة على اللاجئين، والتجارة، والرعي، والحدود، وعلى أمن مناطق الحوضين ولعصابه.
من هنا، فإن الخيار الأكثر واقعية أمام نواكشوط ليس الانحياز الصاخب، بل بناء دبلوماسية متعددة الطبقات: تعاون أمني مع الغرب، مع تنسيق حدودي مع مالي، وحوار سياسي مع حلف الساحل، وانفتاح محسوب على شركاء جدد حتى لا تظهر موريتانيا كامتداد حصري للمحور الغربي.
أما الخطر الأكبر فهو أن يتحول الساحل إلى ساحة اصطفاف حاد: دول مع الغرب، ودول ضده. في هذه الحالة، ستجد موريتانيا نفسها أمام اختبار صعب؛ فهي لا تستطيع التضحية بعلاقاتها العسكرية مع فرنسا والناتو، لكنها لا تستطيع أيضًا تحمل عزلة إقليمية في خاصرتها الشرقية.
المعادلة الدقيقة
وخلاصة المشهد أن حلف الساحل لم يعد مجرد رد فعل غاضب على فرنسا والإيكواس، بل هو مشروع لإعادة تموضع إقليمي. وإن موريتانيا، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن، ليست خارج هذا التحول حتى لو بقيت خارجه تنظيميًا؛ فهي تقف اليوم على حافة معادلة دقيقة: أن تبقى جسرًا لا خندقًا، ووسيطًا لا تابعًا، وشريكًا للغرب دون أن تتحول إلى خصم للعمق الساحلي.
وفي منطقة تتغير بسرعة الرمل تحت الريح، قد تكون براعة نواكشوط في إدارة المسافات هي سلاحها الأهم: أن تقترب بما يكفي لحماية مصالحها، وتبتعد بما يكفي لتجنب نار المحاور المتطايرة هنا وهناك.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *