تقول دلال معوّض في كتابها «كلّ ما خسرت» في محاولتها لمْلَمَة الروح: تنبَّهتُ إلى أنّ التاريخ العربيّ والغربيّ قلّما كَتبته امرأة، التاريخ يُكتب من منظار الرجال، علماً بأنّ للنساء أدواراً أساسيّة في مجرى الأحداث. وتُتابع: لا نُدرِك بالفعل دورهنّ في التاريخ اللّبنانيّ القديم والحديث لأنّ المرأة لم تدوِّن.
وبخصوص الكتابات النسائيّة تَذكر فادية المليح حلواني، أنّها باتت تجتاحُ فضاءات الحياة الثقافيّة بقوّة ويسر، بعدما كانت تتسلّل كالخائف غير الواثق بالقبول، حيث كانت مساحات الحياة الثقافيّة (والسياسيّة) مُخصَّصة للأدباء من الرجال (الذين يُهيمنون على الحياة العامّة) بحُكم العادات والتقاليد.
وعن الاهتمام بدراسة أغراض الفاعليّة النسويّة في إشكاليّات الحياة العامّة، ولاسيّما الثقافيّة والأدبيّة بحُكم تماشيها مع الخيال المُبدع وتلوينات الذائقة الفنيّة الذي يجعلها أكثر تأثيراً وصدقيّة، وبالتالي انتشاراً وحضوراً فاعلاً، الأمر الذي فَتَحَ فضاءً جديداً مُحمَّلاً بصدق المشاعر المعروفة لدى المرأة، مُستذكِراً ما توقَّفت عنده الباحثة المغربيّة فاطمة المرنيسي في هذا المجال، حيث تقول عن الحركة النسويّة في الإسلام، من خلال أعمال ثلاث نساء هنّ: أم سلمة وعائشة وسكينة بنت الحسين، مع مراجعتي لما يُنشر عن الفاعليّة النسائيّة في الحياة اللّبنانيّة والعربيّة عموماً، ومنه ما نَشره مسعود ضاهر أستاذ التاريخ في كليّة آداب الجامعة اللّبنانيّة مشكوراً، استغربت إهمال رائدة فاعلة مُهمّة كانت الأولى بين النساء اللّبنانيّات في تحصيلها الأكاديمي وحصولها على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة القاهرة، وهي زاهية قدّورة.
وُلدت زاهية قدّورة في بيروت عام 1920 من أسرة متعلّمة، فكانت أوّل لبنانيّة من الطائفة الإسلاميّة تحصل على شهادتَيْ الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة في تخصُّص التاريخ، وكانت رسالتها في مرحلة الماجستير عن السيّدة عائشة أمّ المؤمنين، بقصد التركيز على دَور المرأة في الإسلام وفاعليّته الإيجابيّة في الحياة العامّة، خلافاً لِما كان البعض يُعارضه في المنطقة العربيّة بحُججٍ مُختلفة؛ فضلاً عن نشاطها في تشكيل الرابطة النسائيّة ومؤلَّفاتها الأخرى التي حرصت فيها على إبراز دَور المرأة في الحياة العامّة، وبخاصّة في الفضاء الإسلامي، مثل «المرأة في حياة الرسول»، و»القيَم الأخلاقيّة والإنسانيّة في الحضارة الإسلاميّة»، و»حقوق المرأة في الإسلام».
لكنّ نشاطها لم يقف عند هذا المجال فقط، بل ثبَّتتْ دَورَها الإيجابيّ عمليّاً كامرأةٍ في الحياة العامّة وفي تحمُّل المسؤوليّة في نَشْرِ أفكارها الوطنيّة والقوميّة بشجاعة وطموح، مُكرِّسة وحدة المجتمع اللّبناني والعربي بعنصرَيْه الأنثوي والذكوري، وقدرته على التعاوُن والمُشارَكة في مَيادين الفكر والعمل والانتماء كما هو في الحياة الأسريّة. فكانت أستاذة ورئيسة لقسم التاريخ في كليّة الآداب في الجامعة اللّبنانيّة، حيث كنتُ أحدَ طلّابها في مرحلة الدراسات العليا مع عددٍ من الزملاء الطلبة من لبنان والأقطار العربيّة، ومن ثمَّ تسلَّمت عمادة كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، فأَجرت تغييراتٍ كبرى على مستوى المناهج في مُختلف التخصُّصات، بالتعاون مع أساتذة من ذوي الكفاءة العالية في جامعة دمشق، كمُحاولةٍ منها لإخراج الكليّة من شرنقة الفكر شبه الأحادي الذي كان مُسيطراً على الكليّة. وفي هذا يقول الراحل حسّان حلّاق، أستاذ التاريخ الحديث السابق في الجامعة اللّبنانيّة: «الرائدة زاهية قدّورة كانت لنا أستاذة ومعلّمة ومُرشدة وأُمّاً ورئيسة، وقد تعلّمنا منها مبادئ الوطنيّة والعروبة والخير والعطاء».
والتوقُّف عند التوجُّه الفكري العروبي لدى زاهية قدّورة يقتضي منّا مراجعة كُتبها ودراساتها؛ وقد يكون كتابها المعنون بـ»تاريخ العرب الحديث»، الذي خصَّصته كمُقرَّر لطلّابها، الأنسب هنا؛ إذ تقول بعد تعريفها مفهوم الحديث والقديم كأمرَيْن نسبيَّيْن باعتبار أنّ تطوُّر الأُمم يخضع لظروفٍ مختلفة: «من المحقَّق أنّ العرب بدأوا في الأزمنة الحديثة عصراً جديداً… وهو حصيلة تفاعلاتٍ داخليّة وخارجيّة… داخليّة نتيجة عودة العرب إلى ثقافتهم وعملهم على تفهّمها وقيام حركاتٍ إصلاحيّة دينيّة أساسها العودة إلى تفهُّم حقيقة الإسلام وتنقية العقيدة من شوائب الجهل والخرافات مع الطموح إلى الحريّة.. والسعي الجهادي إلى التحرُّر وما يؤدّيه إلى التغيير، إضافة إلى الاحتكاك الخارجي بدولِ الغرب التي حقَّقت في العصور الحديثة تقدُّماً علميّاً وحضاريّاً، والتي أَسهمت في تلمُّس طريق التغيير والتجديد». وتختتم فتقول إنّ خير تحديد نقدّمه لتاريخنا الحديث هو بداية القرن التّاسع عشر، والحداثة لا تعني بالضرورة النهضة والتقدُّم كما اقترنت عند البعض، لأنّ الفترة التي ندرسها لم تخلُ من بعض مظاهر التخلُّف والجمود. وحسب هذا التاريخ الحديث، فإنّ فترة التغيير المُمهِّدة إلى النهضة الكبرى هي، وفق زاهية، الفترة التي انتهت في زمننا هذا إلى بعْث الآمال في نهضة الأُمّة العربيّة وتحرّرها وقيامها بواجبها الأكمل في بناء الحضارة الإنسانيّة. من هنا نعتزّ بهذا التاريخ لأنّنا عشنا فترة من أصعب فتراته وأحفلها بالأحداث سواء ما كان منها نصراً أم انتكاساً.
وبعد، فإذا كان ما تمنَّته قدّورة بتفاؤل وأمل وثقة بالشباب العربي ونخب الأُمّة، فإنّ الأمل والثقة لا يزالان موجودَيْن ومُمكنَيْن، على الرّغم من الانهيارات التي تشهدها بعض الأقطار العربيّة المُهمّة. فكما استطاعت أُمّتُنا مُقاوَمة المُستعمِر وحرصتْ على حريّتها وارتباطها بعضها ببعض، بُحكم وحدة الهويّة والمشاعر، والحرص على السيادة والبناء الحضاري لنا، وللعالَمِ أجمع، فإنّها ستكون قادرة على تحقيق المُستقبل المنشود، والمُقاوَمة البطوليّة للشعب العربي الفلسطيني، على الرّغم من قوّة النّظام الصهيوني في إسرائيل وأساليبه القمعيّة الدالّة على عدم اعترافه بأيّ شرعيّة عالميّة غير احتلاله لأرض غيره. وبما يؤكّد أنّ شعبنا قادر على المُقاوَمة والسير قدماً لبناء مستقبلٍ سياديّ جديد. واجتماعات القمّة في جدّة، وقبلها الجزائر، وما صدر عنهما، يؤكِّد الرغبة والحاجة المستمرّة للتعاوُن العربي والمُشارَكة في المحافظة على السيادة، واستعادة البناء الحضاري، بما يتلاءم مع المُعاصرة لمصلحة المواطنين والإنسانيّة جمعاء، من ضمن مفهوم «العولمة» التي أَكّد القرآن الكريم عليها من خلال الآية الكريمة التي تقول: «يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم».
وإذا أضفنا هذه الحالة الإيجابيّة في مُشاركة المرأة في الحياة العامّة بالتساوي في التكوين التي خلقها الله، مُستذكِرين دورها أو بالأحرى دورهنّ البنّاء عبر التاريخ الزّاهي، عربيّاً وإسلاميّاً وعالميّاً، ثمّ عَطَفنا على دَور المرأة الألمانيّة مثلاً في إعادة بناء بلدها بعد التدمير الذي أصاب ألمانيا نتيجة هزيمتها في الحرب العالَميّة الثانية، لأمكننا القول إنّ نون النسوة أَثبتت قدرتها الخارقة على تجاوُز قدرة الرجال في مجالاتٍ كثيرة: صبراً وتحمُّلاً ومُثابَرة.
كاتب سوري