«ولا المواعيد» فيلم قصير عن اغتيال الرومانسية بعد عبد الحليم حافظ


يستلهم بعض كُتاب السيناريو في حالات معينة الأبعاد الرومانسية للقصص السينمائية العاطفية من أغاني عبد الحليم حافظ وتراثه الفني والموسيقي، وربما أبرز هذه الحالات ما تم تضمينه في فيلم «زوجة رجل مهم» للمخرج محمد خان، قصة وسيناريو وحوار رؤوف توفيق، حيث تم تسليط الضوء بقوة على ارتباط البطلة ميرفت أمين بصوت عبد الحليم كرمز للرومانسية والحُب العُذري في فترة المُراهقة وزمن الفن الجميل كما يُطلق على هذه المرحلة التي اعتنت فيها السينما المصرية بتجسيد العديد من النماذج العاطفية كحالات إبداعية كان المطرب الراحل بطلاً أساسياً فيها وعنصر الجذب القوي داخل الأحداث.
من بين الأعمال التي استدعت شخصية وزمن العندليب عبد الحليم حافظ وبنت عليهما الأحداث الدرامية والفكرة، الفيلم الروائي القصير «ولا في المواعيد» المُستوحى عنوانه من أغنية «أعز الناس» التي كتبها الشاعر مرسي جميل عزيز ولحنها بليغ حمدي، والتي يقول مقطع منها «ومين في يوم ينسى أول سلام بالإيد ولا المواعيد ولهفتها»، تلك كانت الإشارة الأولى للعلاقة بين الأغنية والفيلم المذكور، ثم تداعت الحكاية الرومانسية في مُخيلة البطلة منى مختار على خلفية ارتباطها بمرحلة الثراء الإبداعي في زمن عبد الحليم حافظ وأيام الصبا والشباب التي عانقت فيها أحلامها قبل زواجها من شخص تقليدي نمطي ماجد الكدواني، المشغول طوال الوقت بضروريات الحياة ومسؤوليات البيت والأولاد، وغير مُكترث بالفراغ الذي تُعانيه الزوجة المُختلفة في طبيعتها وتكوينها الإنساني جراء ما تعتبره إهمالاً من الزوج تجاهها وتجاه مشاعرها.
هذه الإشكالية عالجها كاتب السيناريو والمخرج عبد الفتاح كمال بحساسية مُفرطة، لعدم الخلط بين سعي الزوجة للبحث عن روحها الرومانسية المُفتقدة، وفكرة الخيانة الزوجية والخروج عن التقاليد، كونها حريصة على زيارة مقبرة المطرب الراحل بوصفه رمزاً بارزاً للعواطف والحُب، لاسيما أن هناك شخصا آخر عطية الدرديري يرتبط أيضاً بذات الحالة الرومانسية برموزها ومعطياتها، ومن ثم يحرص على زيارة قبر عبد الحليم باستمرار في ذكرى رحيله في 30 اذار/مارس من كل عام ويتصادف لقاؤه مع الزوجة الحائرة بين الحُب والتقاليد والمشدودة بقوة للزمن الماضي بعلاماته وذكرياته من غير قصد منها للوقوع في شُبهة الخيانة من قريب أو بعيد، بل على العكس هي شديدة الارتباط بزوجها ماجد الكدواني وحريصة على مشاعره وأحاسيسه، لكنها في نفس الوقت تعيش أسيرة في تفاصيل الحُب المُتخيل وذكريات الماضي التي تفجرها الأغاني فتفصلها عن الواقع الجاد الذي تعيشه رغماً عنها مع الزوج التقليدي الذي يحاول إرضائها بزيارة قبر عبد الحليم سنوياً على غير اقتناع تام منه، الأمر الذي يزعجها ويُزيد من توترها واتساع المسافة بينه وبينها.
تدور الأحداث المتلاحقة والسريعة للفيلم داخل هذا الإطار في محاولة من كاتب السيناريو والمخرج لإيجاد تفسير لحالة البطلة وسر ارتباطها بالماضي على النحو غير معهود، غير أن تعلقها بالشخص الذي تُقابله سنوياً في مقابر الفنانين بالبساتين أمر يُثير الريبة والشك، حتى وإن أنكرت تماماً ارتباطها العاطفي به، لكنه في كل الأحوال يُمثل تعويضاً للحبيب المفقود وفتى الأحلام الذي يسكن المخيلة ويأبى بعد التقدم في العُمر وتجاوز مرحلة المُراهقة الخروج منها.
حالة إنسانية نادرة تُمثل ذروة الإثارة الذهنية والعاطفية، ركز عليها المخرج عبد الفتاح كمال ونسج منها خيوط فيلمه القصير المُمتع على منوال الزمن الماضي وبتأثير ما تبقى من انفعال البطلة بذكريات الشباب وعشق الحياة الهادئة في الأيام الخوالي، عندما كانت طالبة تتنسم عبير الرومانسية والجمال والحرية في أغاني المُطربين القُدامى عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد فوزي، وعلى رأسهم عبد الحليم حافظ، الذي بات صوته الغائب الحاضر يُشكل لها أزمة حقيقية نتيجة عدم انسجامها مع الواقع الراهن واغترابها في تفاصيله المادية والبرغماتية التي تتنافى مع طبيعتها الرومانسية التواقة للمثالية والعشق المجرد للجمال والخيال والانطلاق والمرح.
هذا الفيلم «ولا في المواعيد» تم عرضه عام 2001 ضمن برنامج أيام بيروت السينمائية وحظي بإعجاب القائمين على المهرجان، وفي العام نفسه عُرض في المهرجان القومي للسينما المصرية وحصل على الجائزة الذهبية لتميزه الفني الشديد وتطرقه لحالة استثنائية تُعبر عن ارتباط الإنسان بالماضي مهما بلغ به العُمر وتوالت على ذكرياته وذاكرته السنين والأحداث.
الفيلم تعرضه حالياً بعض المحطات الفضائية للتذكير به كإبداع سينمائي مُتميز يختص بالفيلم الروائي القصير الذي عادة ما يُناقش أفكاراً جديدة وذكية ببساطة وانسيابية فيجُمع عليه جمهور المُثقفين والسينمائيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *