نواكشوط ـ «القدس العربي»: رغم الدور المحوري الذي لعبه عشرات الآلاف من الجنود الأفارقة المعروفين تاريخياً باسم «الرماة السنغاليين» في تحرير أوروبا من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، فإن مساهمتهم ظلت لعقود طويلة غائبة أو هامشية في كثير من السرديات الرسمية للتاريخ الأوروبي. غير أن معرضاً دولياً تحتضنه العاصمة الألمانية برلين يسعى اليوم إلى إعادة هؤلاء المقاتلين إلى واجهة الذاكرة الجماعية، ومنحهم المكانة التي يستحقونها في سجل الأحداث الكبرى للقرن العشرين.
ففي «بيت ثقافات العالم» ببرلين، احتضن معرض «الرماة: من وقود للحروب إلى طليعة النضال.. الجنود المنسيون الذين حرروا أوروبا»، تجربة فريدة تجمع بين الفن والتاريخ والذاكرة، من خلال إعادة قراءة الدور الذي لعبه الجنود الأفارقة في الحربين العالميتين، وكشف أوجه التهميش التي لحقت بذكراهم بعد انتهاء المعارك.
ويعيد المعرض إلى الواجهة قصص الدماء التي أريقت والتضحيات التي قدمها شبان جاؤوا من مستعمرات أفريقيا الغربية والوسطى للقتال على أراضي القارة العجوز. فرغم مساهمتهم في الدفاع عن فرنسا والمشاركة في تحرير أجزاء واسعة من أوروبا من قبضة النازية، فإن كثيراً منهم ظلوا خارج صور النصر والروايات الرسمية التي كتبت تاريخ الحرب.
ويضم المعرض أكثر من ثلاثين فناناً وباحثاً من ذوي الشهرة العالمية، من بينهم قادر عطية، وبارتليمي توغو، وباسكال مارتين تايو، والحاج سي، وبينتا دياو، وجوزيفا نتجام. كما يعرض أربعة عشر عملاً فنياً أُنجزت خصيصاً للمناسبة، إلى جانب وثائق أرشيفية وصور تاريخية وشهادات نادرة حول مسار الرماة الأفارقة. ويستكمل هذا المسار بعروض سينمائية لأعمال مخرجين أفارقة بارزين، من بينهم عثمان سمبين ورشيد بوشارب وإدريسو مورا كبا.
جنود حاضرون في الحرب…
غائبون عن الفن
يكشف المعرض مفارقة تاريخية لافتة؛ فبينما كان الجنود الأفارقة يقاتلون في الصفوف الأمامية خلال الحروب الحديثة، ظل حضورهم في الفن الأوروبي الطليعي محدوداً أو مشوهاً بصور نمطية عنصرية كرستها الدعاية الاستعمارية.
ويرى القائمون على المعرض أن غياب هؤلاء الجنود عن الأعمال الفنية السائدة يكشف حدود الخطاب الحداثي الأوروبي نفسه. فخلال الفترة التي كان فيها الرماة الأفارقة يخوضون المعارك على الجبهات الأوروبية، كان الفنانون الأوروبيون يستلهمون الأقنعة والمنحوتات الأفريقية ويعتبرونها مصدراً للتجديد الفني. غير أن هذا الاحتفاء غالباً ما تم بمعزل عن أصحاب تلك الثقافة وسياقاتها التاريخية، في ما يصفه باحثون بأنه شكل من أشكال الاستحواذ الثقافي واستخراج الموارد الرمزية من المستعمرات.
من هم «الرماة السنغاليون»؟
وعلى خلاف ما يوحي به الاسم، لم يكن «الرماة السنغاليون» من السنغال وحدها. فقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في مدينة سان لويس السنغالية عام 1857، قبل أن يتحول إلى تسمية عامة للجنود الذين جندتهم فرنسا من مختلف مستعمراتها في أفريقيا وآسيا ومنطقة الكاريبي والمحيط الهادئ.
وضمت هذه القوات رجالاً من السنغال ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو وغينيا وساحل العاج ودول أفريقية أخرى، شاركوا في الحروب الاستعمارية والحربين العالميتين، وغالباً في ظروف اتسمت بالتجنيد الإجباري والعمل القسري والتنقل القهري بين القارات.
ويقدم المعرض مفهوم «الرماة» بوصفه أداة لفهم تجربة أوسع عاشتها الشعوب المستعمَرة، حيث ساهمت تلك التجارب العسكرية لاحقاً في نشوء وعي سياسي غذّى الحركات المناهضة للاستعمار والفاشية، وأسهم في بروز الأفكار الوحدوية الأفريقية.
تبييض القوات
ومن أكثر المحاور إثارة للجدل في المعرض ملف ما عرف تاريخياً بعملية «تبييض القوات» التي نفذتها القيادة العسكرية الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
فمع تقدم قوات الحلفاء والتحاق عناصر المقاومة الفرنسية بالجيش النظامي ابتداءً من سبتمبر/أيلول 1944، جرى سحب ما بين خمسة عشر وعشرين ألف جندي من أفريقيا جنوب الصحراء من جبهات القتال واستبدالهم بمقاتلين فرنسيين.
ويرى عدد من المؤرخين أن هذه الخطوة حرمت الجنود الأفارقة من المشاركة في لحظة الانتصار النهائي على ألمانيا النازية، كما أسهمت في إخفاء دورهم الحقيقي في تحرير فرنسا وأوروبا، وهو ما انعكس لاحقاً على الذاكرة الجماعية والتمثيل التاريخي لتلك المرحلة.
نساء في الظل
ولا يقتصر المعرض على استحضار قصص الجنود وحدهم، بل يسلط الضوء أيضاً على النساء اللواتي عرفن باسم «سيدات الرماة»، وهن الزوجات والأمهات اللواتي تحملن أعباء الحياة اليومية في غياب الرجال، وساهمن في إعالة الأسر والحفاظ على تماسك المجتمعات المحلية.
كما يربط المعرض تجربة الرماة الأفارقة بتجارب عسكرية مشابهة داخل الإمبراطوريات الاستعمارية المختلفة، من «العساكر» في شرق أفريقيا الألمانية إلى الجنود النيجيريين الذين أرسلوا إلى بورما، مروراً بالقوات المغربية والجنود الأمريكيين من أصل إفريقي الذين تعرضوا للتمييز العنصري داخل جيوش بلادهم.
مجزرة تياروي… الجرح المفتوح
ويشير المعرض إلى أن معاناة الرماة لم تنته بانتهاء الحرب. فبعد عودتهم إلى أفريقيا، واجه كثير منهم التهميش والتمييز في الرواتب والتعويضات والاعتراف الرسمي.
وتبقى مجزرة تياروي قرب دكار عام 1944 المثال الأكثر قسوة على ذلك. فقد قُتل عدد من الجنود الأفارقة العائدين من الحرب بعد احتجاجهم على تأخر صرف مستحقاتهم المالية، في حادثة لا تزال تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الأفريقية ومطلباً مستمراً للحقيقة والإنصاف.
اعتراف متأخر
أنشأ الإمبراطور نابليون الثالث سلك الرماة السنغاليين سنة 1857، وظل هذا التشكيل العسكري لعقود أحد أهم أدوات فرنسا العسكرية في أفريقيا وخارجها. غير أن الاعتراف بحقوق أفراده جاء متأخراً للغاية.
وخلال السنوات الأخيرة، اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات تسمح للمحاربين القدامى من الرماة بالحصول على مستحقاتهم الاجتماعية والتقاعدية وهم يقيمون في بلدانهم الأصلية، بعدما كانوا ملزمين بالإقامة لفترات طويلة داخل فرنسا للاحتفاظ بهذه الحقوق.
ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن عدد الناجين من الرماة أصبح محدوداً جداً، إذ تجاوز معظمهم التسعين من العمر. ويعتبر ناشطون ومؤرخون أن القضية لم تعد مرتبطة بالمعاشات فقط، بل بضرورة الاعتراف الكامل بمكانة هؤلاء الجنود في التاريخ العالمي وإعادة إدماج قصتهم في الذاكرة الجماعية لأوروبا وأفريقيا معاً.
وبين الأعمال الفنية والوثائق التاريخية والأفلام والشهادات، يبعث معرض برلين رسالة واضحة مفادها أن تحرير أوروبا لم يكن إنجازاً أوروبياً خالصاً، بل شاركت فيه شعوب بأكملها جاءت من المستعمرات البعيدة. وبعد عقود من الصمت، يعود «الرماة السنغاليون» إلى الواجهة، ليس باعتبارهم مجرد جنود مجهولين، بل باعتبارهم جزءاً أساسياً من تاريخ القرن العشرين ومن معركة البشرية ضد العنصرية والاستبداد.