كيف وضعتنا حرب إيران خارج الخريطة الإقليمية؟


وصل ماركو روبيو هذا الأسبوع إلى الخليج مع ابتسامة دبلوماسية مهنية لوزير خارجية، ومع شحنة زائدة لرجل إطفاء. في أبوظبي والكويت والمنامة،لم يلقَ أجواء احتفالية. وكان يعرف هذا جيداً حتى قبل أن يهبط. على طاولات المضيفين انتظره تفصيل جاف جداً لثمن الحرب: إصابات لمنشآت مدنية، تشويشات في المطارات والموانئ، أضرار في منشآت الطاقة والفنادق، أسابيع من التجارة البحرية غير المستقرة، تأمين بحري ارتفع ثمنه، سفن متأخرة ونفط لم يضخ كالمعتاد. يدور قادة الخليج بإحساس عسير: مرة أخرى، يطالبونهم بتحمل ثمن الاتفاق مع إيران فيما تخر طهران منه بتسهيلات.

الطلب الإماراتي، كما تعرضه مصادر دبلوماسية، من بسيط إلى وحشي: قبل تحرير المليارات لإيران، فلتدفع. لا بعملة التصريحات ولا بتعهد غامض بـ “اللجم”، بل بالمال وبالضمانات. الإمارات، حسب تلك المصادر، ترفض في هذه المرحلة تحرير نحو 3 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. من ناحية أبوظبي، لا يمكن لإيران أن تخرج من الحرب مع أكسجين مالي وشرعية سياسية ومدخل متجدد للتجارة وكأنها لم تجبِ ثمناً من جيرانها،وكأن مضيق هرمز ليس سوى بند فني آخر في الاتفاق.

وهذه مقدمة فقط. تدور حول التفاهمات بين واشنطن وطهران أرقام كبيرة أكبر بكثير. يذكر في الدوائر الإقليمية صندوق إعمار مستقبلي لإيران بحجوم تكفي لتدفع كل وزير مالية خليجي للتحرك في كرسيه بعدم ارتياح. في الخليج لا يرون في هذا بادرة سخاء لفتح صفحة جديدة. من ناحيتهم، هذه صفحة حساب كتب بالأمريكية – الترامبية ورفعت لهم بالعربية.

مذكرة التفاهم التي ولدت بعد الحرب تباع في واشنطن كإنجاز: مضيق هرمز فتح، الأسواق هادئة، إيران تدخل إلى مسار 60 يوماً من المفاوضات، ويمكن لترامب إعلان بأنه أعاد العالم من الحافة. عواصم الخليج تقرأ الوثيقة ذاتها بشكل مختلف تماماً. من ناحيتها، إيران تتلقى سلفة قبل أن يفحص أحد إذا كانت بالفعل استبدلت القرص. من تضرر بالصواريخ وبالتهديد على الملاحة يسعون الآن لمساعدتها في تمويل الهدوء.

هذه المرة خيبة الأمل أكثر لذعاً، لأن ترامب ورجاله عرضوا الحرب كفرصة لنظام آخر. في إسرائيل وفي بعض عواصم الخليج أملوا في ترجمة القوة التي استخدمت ضد إيران إلى إنجازات سياسية واضحة: إلى اتفاق يتضمن قيوداً أكثر حدة على البرنامج النووي، ومعالجة للصواريخ الباليستية، ولجم وكلاء طهران، وضمانات لملاحة حرة، وثمناً اقتصادياً على العدوان. النتيجة الآن أكثر تواضعاً بكثير إن لم نقل معاكسة. إيران تضررت عسكرياً، لكنها دخلت إلى المفاوضات مع ورقة قديمة ناجحة: القدرة على تشويش الملاحة، وتصدير النفط وإحساس الأمن لدى جيرانها. ما دام بوسعها تهديد الملاحة في هرمز، والموانئ في المنطقة ومنشآت الطاقة لجيرانها، فلا يمكن لأي تسوية في الخليج أن تتجاهلها.

بين الصيغة الأمريكية والصيغة الإيرانية تختبئ فجوة صغيرة في الصياغة وخطيرة جداً فعلياً. واشنطن تقول إن إيران وعدت بألا تجبي رسوماً على العبور في المضيق. وطهران تتحدث عن 60 يوماً. بعدها، كما يقولون، سيكون ممكناً البحث في “خدمات”، “حراسة”، “مساعدة”، “تأمين”. في هذه المنطقة، هذه الكلمات ليست زينة دبلوماسية. هي حجارة أولى في الحائط. من هنا ولدت آلية وبعد ذلك نمط، وفي النهاية ثمن لا أحد يسميه ضريبة كي لا يهين الاحتفال.

عُمان دخلت بالضبط إلى هذه المساحة، وبعدها قطر. كلتاهما تفعلان ما تعرفان كيف تفعلان: عُمان تجعل الغموض قناة هدوء، وقطر تجعل كل أزمة أزمة مركزية يضطر الجميع إلى عبورها. مبادرة الانشغال في إدارة الملاحة في هرمز، في الخدمات البحرية وفي الكلفات المرافقة ليست مسألة فنية لموظفي المواصلات البحرية، بل بداية حديث إقليمي لا تجلس فيه إيران على مقعد الاتهام، بل على طاولة التسوية. دول الخليج تتميز غضباً عليها، لكنها تفهم جيدا بأن الأسطول الأمريكي ليس بوليصة تأمين كاملة لكل سفينة نقل.

السعودية هي الأخرى تجلس على المدرج وتجري حساباتها، ولا تسارع للاختيار بصوت عالٍ. هي ترى قطر وتركيا وباكستان تقترب من موقف وساطة يبقي لإيران مكاناً على الطاولة، وترى الإمارات والبحرين والكويت غاضبة على إيران، لكنها بحاجة إلى الاستقرار تجاهها، وترى واشنطن تحاول إنهاء الحرب بأسرع مما أراد حفاؤها. ليس للسعوديين مشاعر زائدة؛ سيختارون المسار الذي يمنحهم أمناً أكثر، نفوذاً أكثر ومجال مناورة أكثر. إذا مر هذا عبر واشنطن، فممتاز. وإذا كان عبر قناة خليجية – إيرانية حذرة، فهذا أيضاً سينظر فيه.

شرق أوسط أكثر وعيًا

دول الخليج لا تبدل المعسكر، فهي بعيدة عن ذلك. هي تخاف من إيران، تغضب عليها، لا تصدقها، وفي بعضها يرون فيها تهديداً مباشراً على نموذج ازدهارها. ومع ذلك، فإن الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية تبدو لها هزيلة جدا. إذا أراد ترامب صفقة مع طهران، وإذا كانت واشنطن مستعدة لتحرير الأموال وتخفيف العقوبات قبل شد البراغي، فمن الأفضل لها أن تفتح قناة موازية، ليس انطلاقاً من مصالحة تاريخية ولا انطلاقاً من وهم جديد، بل انطلاقاً من غريزة بقاء لدول غنية، صغيرة نسبياً، تعيش بين إيران، ونفط، وبحر مفتوح وأسواق عصبية.

وعليه، فقد أصبح المال مركز الغضب. وواشنطن تتحدث عن آلية إنسانية، عن خطوة بناء ثقة، عن حافز للمفاوضات. الأمر في أبوظبي والمنامة الكويت مختلف تمام: إيران تطلق النار، تهدد، تشوش – وتتلقى قدرة وصول إلى حسابات مجمدة كي يكون لها حافظ للتصرف بشكل جميل. “دفع مسبق” يسمون هذا في غرف الخليج المغلقة. في الشرق الأوسط، من يدفع مسبقاًيكتشف أحياناً بأن البائع لم يقرر بعد ماذا يبيع.

روبيو يفهم هذا، بقدر كبير أُرسل لمعالجة ضرر لم يولد في مكتبه. يأتي إلى الخليج كمندوب إدارة لا يشد فيها كل اللاعبين في الاتجاه ذاته. نائب الرئيس، فانس، يتصدر خطاً يفضل تقليص التدخل العسكري الأمريكي، والامتناع عن التودد وعقد صفقات حتى عندما يبقى الغموض الإقليمي على الطاولة. أما روبيو، الذي ينظر إلى إيران بعيون أخرى، فيحاول وضع كوابح: منع طهران من جباية ثمن في هرمز، وسد طريقها لموطئ قدم في الآليات حول لبنان، وضمان ألا يبدو الاتفاق كاستسلام أديب. المشكلة أن إدارة ترامب، كالمعتاد، ليس واضحاً فيها من يدير الفرقة الموسيقية ومن لم يدعَ إلا لحمل الآلة الموسيقية الصعبة.

أما إسرائيل، فأرادت رؤية جبهة إقليمية أكثر حزماً تجاه إيران، ودولاً خليجية تتبنى تحذيرات إيران والولايات المتحدة، وتترجم الإنجازات العسكرية إلى تسوية متصلبة. بدلاً من هذا، تأتي صورة أعقد بكثير. دول الخليج غاضبة على إيران، لكنها تتحدث معها. هي بحاجة إلى الولايات المتحدة، لكنها لم تعد تودع كل أمنها لديها. هي تفهم مخاوف إسرائيل، لكنها لا تتطوع لتبني استراتيجية إسرائيلية من الضغط المتواصل. هي تريد استقراراً، ملاحة مفتوحة، نفطاً يباع وأسواقاً هادئة، أما إسرائيل فتريد التأكد من عدم عودة إيران لقوتها تحت غلاف الاتفاق. التداخل بين المصالح قائم، لكنه أقل بكثير مما درجت “القدس” الحديث عنه.

على نحو شبه وحشي، خسرت إيران جزءاً من الحرب، لكنها نجحت في تقرير جزءاً من لغة اليوم التالي. خرجت مرضوضة لكنها غير معزولة. لم تنزل خصومها على الركبتين، لكنها ذكرتهم بأنها مؤلمة. وهي الآن تجلس أمام أمريكا وأمام الخليج مع رسالة بسيطة: تريدون الهدوء؟ تريدون هرمز مفتوحاً؟ تريدون ألا يشعل حزب الله الشمال؟ تحدثوا معنا! هذه ليست قوة منتصر، هذه قوة من لم يهزم.

وإسرائيل؟ إسرائيل تكتشف مرة أخرى بأن الإنجازات العسكرية ليست خطة سياسية. يمكن ضرب المنشآت، واغتيال القادة، وضعضعة المنظومات وإبداء تفوق استخباري وجوي.

لعل هذا هو السطر الإسرائيلي الأخير والأصعب على البلع. الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة إقليمية مناهضة لإيران، ولكنها بالتأكيد خلقت منطقة أكثروعياً وشكاً، وأساساً أكثر براغماتية. أما الولايات المتحدة فتفحص كيف يمكن تحويل النار إلى وقف نار دون اعتراف بالفشل، وإيران تفحص كم يمكن الابتزاز بعد أن تضررت، وإسرائيل تفحص كيف حصل أنه بعد هذا القدر الكبير من النار وهذا القدر الكبير من التصريحات، وبعد هذا القدر الكبير من الوعود بنظام جديد، تجد نفسها مرة أخرى خارج من الغرفة التي توزع فيها الخرائط.

بالنسبة لإسرائيل، هذا درس بارد. في الشرق الأوسط الجديد حقاً، ليس ذاك الذي سوق في الاستعراضات الإلكترونية، حلفاء الأمس لا يختفون بالضرورة. هم ببساطة يتعلمون الحديث مع العدو من أول أمس للنجاة من الغد.

 آنا برسكي

معاريف 26/6/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *