الأبيض السودانية… بين رعب اجتياح قوات “حميدتي” وتعطل الخدمات


الخرطوم – “القدس العربي”:

تتصاعد المواجهات حول مدينة الأبيض الاستراتيجية التي تعد مركزاً لربط ولايات دارفور وكردفان بالعاصمة الخرطوم ووسط السودان، تزامناً مع قصف ينفذه الجيش بالمسيرات ضد مواقع الدعم السريع في شمال المدينة، التي تحدث مواطنون فيها لـ”القدس العربي” عن تدهور متسارع في الأوضاع المعيشية، في ظل انقطاع الكهرباء بشكل كامل، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية.

وحسب مصادر عسكرية ميدانية تحدثت لـ”القدس العربي”، نفذ الجيش ضربات دقيقة استهدفت مواقع تضم آليات ومقاتلين تابعين للدعم في محيط شمال الأبيض، في وقت دفعت فيه القوات المسلحة بتعزيزات إضافية باتجاه مناطق رهيد النوبة شمال كردفان، لتعزيز خطوط الدفاع والحد من أي تقدم محتمل نحو المدينة.

نفذ الجيش ضربات دقيقة استهدفت مواقع تضم آليات ومقاتلين تابعين للدعم في محيط شمال الأبيض

مع ذلك، أفادت مصادر ميدانية بأن “الدعم” تواصل تحشيدها في مناطق شمال وغرب وجنوب غرب الأبيض، مع إعادة تموضع آليات قتالية في محاور متعددة، وسط تصاعد مؤشرات استعداد قواتها لشن هجوم بري محتمل يهدف إلى السيطرة على المدينة، التي تستضيف أعداداً كبيرة من المدنيين والنازحين.

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن أي تقدم للدعم نحو الأبيض قد يواجه تعقيدات عسكرية تتعلق بطبيعة خطوط الإمداد والتحرك، خصوصاً من محاور الرهد وأم روابة، وكوستي في ظل سيطرة الجيش على أجزاء من الطريق الرابط بين كوستي والأبيض، ما قد يحد من قدرة القوات المهاجمة على المناورة والإمداد.

وتحذر مجموعات حقوقية محلية ودولية من أن أي عملية اقتحام محتملة للأبيض قد تؤدي إلى معارك داخل مناطق مأهولة بالسكان، ما يضاعف من المخاطر الإنسانية، خاصة في ظل وجود عشرات الآلاف من النازحين داخل المدينة الذين فروا سابقاً من مناطق نزاع في دارفور وكردفان.

كما تشير المصادر إلى أن قوات الدعم السريع أعادت نشر جزء من قواتها في مناطق جنوب وغرب الأبيض، بما في ذلك محيط كازقيل وأم صميمة، بالتزامن مع تكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة على خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى المدينة خلال الأسابيع الأخيرة.

ضغط معيشي

في سياق متصل، تحدث مواطنون لـ”القدس العربي” من داخل المدينة عن تدهور متسارع في الأوضاع المعيشية، في ظل انقطاع الكهرباء بشكل كامل عن المدينة، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية.

انقطاع التيار الكهربائي انعكس مباشرة على تشغيل محطات المياه والمخابز والمستشفيات

وقال شهود إن انقطاع التيار الكهربائي انعكس مباشرة على تشغيل محطات المياه والمخابز والمستشفيات، حيث تعطلت محطات تنقية وتحلية المياه، ما أدى إلى نقص حاد في مياه الشرب وارتفاع تكلفتها في الأسواق المحلية. وأضافوا أن توقف عدد من المخابز نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الوقود أسهما في ارتفاع أسعار الخبز، إلى جانب تراجع حركة النقل العام بسبب شح الوقود وارتفاع أسعاره، ما زاد من صعوبة التنقل داخل المدينة.

وأشار شهود إلى أن هذه الظروف أدت إلى ضغوط اقتصادية متزايدة على السكان، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من السكان على المساعدات أو العمل غير المستقر لتوفير احتياجاتهم اليومية.

تعطل مرافق صحية

ووفق شبكة أطباء السودان، القصف المستمر لقوات الدعم الذي استهدف منشآت خدمية في مدينة الأبيض أدى إلى تعطيل عدد من المرافق الصحية الحيوية، بما في ذلك مراكز غسيل الكلى وأقسام الطوارئ، بالإضافة إلى توقف محطات مياه نتيجة تضرر البنية التحتية للكهرباء.

وأوضحت الشبكة أن هذه التطورات أثرت بشكل مباشر على قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات الطبية، في وقت يواجه فيه أكثر من مليون شخص من السكان والنازحين تحديات كبيرة في الحصول على المياه والرعاية الصحية والطاقة.

وحذرت من أن الاستهداف المتكرر للبنية التحتية المدنية يشكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، داعية إلى وقف استهداف المرافق الحيوية وضمان استمرار الخدمات الأساسية.

اتهامات ومخاوف

في إفادات من داخل المدينة، قال مواطنون إن الأبيض تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين القادمين من ولايات دارفور ومناطق العمليات العسكرية في كردفان، الذين استقروا فيها خلال فترة القتال، ما يجعل أي تصعيد عسكري خطراً مضاعفاً على المدنيين.

الأبيض تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين القادمين من ولايات دارفور ومناطق العمليات العسكرية في كردفان

واتهم بعض المتحدثين، قيادات في قوات “الدعم”، بالسعي إلى زعزعة الاستقرار في المناطق التي لا تزال تعمل فيها الخدمات بشكل نسبي، معتبرين أن الهجمات على البنية التحتية تأتي في سياق الضغط العسكري المتواصل على المدينة.

“فظائع محتملة” 

دولياً، أعرب أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم من التقارير التي تشير إلى حشود عسكرية لقوات الدعم حول مدينة الأبيض، محذرين من احتمال وقوع تصعيد خطير أو هجوم بري قد يؤدي إلى “فظائع جماعية”.

ودعا المجلس إلى وقف فوري للأعمال القتالية في محيط المدينة، وحث جميع الأطراف على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، بالإضافة إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وشدد على ضرورة فتح تحقيقات في الانتهاكات المبلغ عنها، ومنع أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع، مع التأكيد على دعم جهود السلام واحترام سيادة السودان ووحدته.

أهمية استراتيجية

تعد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من أهم المدن الاستراتيجية التي تربط بين ولايات دارفور وكردفان والعاصمة الخرطوم، وتكتسب أهمية خاصة بوصفها مركزاً إدارياً واقتصادياً وخدمياً في الإقليم، إضافة إلى أنها نقطة عبور رئيسية لحركة التجارة والنقل بين غرب ووسط السودان.

تعد الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من أهم المدن الاستراتيجية التي تربط بين ولايات دارفور وكردفان والعاصمة الخرطوم

وتبعد عن العاصمة الخرطوم نحو 600 كيلومتر تقريباً، وترتبط بشبكة طرق إقليمية حيوية، أبرزها الطريق المؤدي شرقاً نحو مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، والذي يربط بدوره بالعاصمة الخرطوم، بالإضافة إلى طريق يمتد شمالاً عبر مناطق بارا وأم روابة، وطريق غربي باتجاه ولاية غرب كردفان وصولاً إلى مناطق دارفور. كما تتفرع منها طرق فرعية تربطها بعدد من المدن والبلدات في شمال كردفان مثل الرهد وأم روابة وشيكان.

وتحيط بالمدينة عدة مناطق ذات ثقل سكاني وتجاري، من بينها الرهد أبودكنة وأم روابة من الشرق، وبارا من الشمال الشرقي، إلى جانب امتدادات باتجاه غرب كردفان. وتعد هذه المناطق جزءاً من شبكة حركية مترابطة تعتمد بشكل أساسي على الأبيض كمركز لتوزيع السلع والخدمات.

هجوم على كوستي

في الموازاة، أكدت “شبكة أطباء السودان” مقتل شخص وإصابة 5 آخرين، جراء قصف وصفته بـ”الممنهج” للدعم بالطيران المسير لمحطة وقود في مدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض.

وحذرت من أن استمرار استهداف المنشآت والأعيان المدنية يمثل انتهاكاً خطيراً ويزيد من معاناة المواطنين في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تمر بها البلاد.

قتل شخص وإصابة 5 آخرين، جراء قصف للدعم بالطيران المسير لمحطة وقود في مدينة كوستي

ودعت المجتمع الدولي والمنظمات المختصة لضرورة الضغط على قيادات الدعم السريع لحماية المدنيين والمرافق الخدمية والطبية، ووقف استهداف المناطق السكنية والأسواق.

ووفق الأمم المتحدة، تزايد الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتوسيع نطاق النزوح الداخلي، في وقت يعاني فيه السودان بالفعل من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

تدهور إنساني

إلى ذلك، حذرت مجموعة “محامو الطوارئ” من تدهور إنساني واسع في ولاية شمال كردفان، نتيجة القيود المفروضة على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية بين مناطق النزاع.

وأوضحت أن القيود المتبادلة بين أطراف النزاع على حركة الإمدادات أدت إلى اضطراب حاد في الأسواق وارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود.

القيود المتبادلة بين أطراف النزاع على حركة الإمدادات أدت إلى اضطراب حاد في الأسواق وارتفاع كبير في أسعار السلع

وقالت إن القوات المسلحة أوقفت ما لا يقل عن 280 شخصاً وصادرت مركبات كانت تنقل مواد غذائية من مناطق في الولاية الشمالية والخرطوم باتجاه شمال كردفان، فيما تفرض قوات الدعم السريع بدورها قيوداً على مرور السلع من مناطق سيطرتها.

وأشارت إلى أن مناطق مثل حمرة الشيخ وأم اندرابة وجبرة الشيخ وسودري وأم بادر والقرى المجاورة للأبيض تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء، وسط صعوبة في التنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية.

كما نبهت إلى أن الهجمات بالطائرات المسيرة على الطرق والمركبات تزيد من تعقيد عمليات نقل الإمدادات الإنسانية، ما يفاقم الوضع المعيشي للسكان المدنيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *