متابعة/المدى
يُعدّ التخلي عن الذات سلوكاً نفسياً خفياً لكنه مؤثر بشكل عميق على ثقة الإنسان بنفسه، إذ يقوم على تجاهل الاحتياجات الداخلية والاستجابات الشخصية بشكل متكرر بهدف تحقيق القبول الاجتماعي أو الحفاظ على الانسجام مع الآخرين. وعلى عكس الأزمات أو الإخفاقات الواضحة، فإن هذا النمط يتشكل تدريجياً من ممارسات يومية صغيرة، مثل عدم الالتزام بالوعود التي يقطعها الفرد على نفسه، أو تجاهل الإشارات الداخلية، أو كبت الرأي الحقيقي، ما يؤدي مع الوقت إلى تآكل الثقة بالنفس.
ويشير مختصون في علم النفس، وفق ما تناولته تقارير مثل مجلة Forbes، إلى أن هذا السلوك يرتبط بما يسمى “الذات المتكيفة”، وهي النسخة من الشخص التي تتصرف وفق ما يطلبه المحيط الاجتماعي بدلاً من “الذات الحقيقية” التي تعبّر عن الاحتياجات والمشاعر الفعلية. وغالباً ما تتشكل هذه الآلية في مراحل مبكرة من الحياة، خصوصاً في البيئات التي يكون فيها القبول مشروطاً بالسلوك المتوافق مع توقعات الآخرين، ما يجعل الفرد يعتاد إخفاء مشاعره الحقيقية.
ويؤكد المختصون أن أخطر ما في هذا النمط أنه قد يبدو سلوكاً إيجابياً أو ناضجاً، مثل الصبر أو المجاملة أو تجنب الصراع، لكنه في الواقع يخفي تآكلاً تدريجياً للثقة الداخلية. وتظهر آثاره عبر تراكم مواقف صغيرة، مثل قبول تجاوز الحدود الشخصية، أو الاستجابة بشكل مخالف للمشاعر الحقيقية، أو التخلي عن الالتزامات الذاتية.
كما يميز علماء النفس بين “الذات الأصيلة” التي تعكس القيم والمشاعر الحقيقية، و”الذات المتكيفة” التي تعمل على إرضاء الآخرين وتجنب الرفض. ومع تكرار إهمال الذات، يضعف الإحساس الداخلي بالقيمة والقدرة على اتخاذ القرار.
وتشير التحليلات النفسية إلى أن هذا النمط قد ينشأ من الطفولة عندما يرتبط الحب أو التقدير بالامتثال، ما يدفع الفرد إلى كبت احتياجاته لتجنب فقدان القبول. ومع مرور الوقت، يتحول هذا السلوك إلى عادة تلقائية في مرحلة البلوغ، رغم فقدانه لوظيفته الأصلية.
ويرى خبراء أن علاج هذه الحالة يبدأ من خطوات بسيطة ومتدرجة، مثل الالتزام بوعود صغيرة تجاه النفس، والانتباه للإشارات الداخلية للجسد والمشاعر، والتوقف لحظة قبل اتخاذ قرارات تلقائية، للتأكد من أنها تعكس القيم الحقيقية للفرد وليس مجرد استجابة لضغط خارجي.