نواكشوط – “القدس العربي”: تبدو الساحة السياسية الموريتانية أمام منعطف جديد بعد توزيع منسق “الحوار الوطني”، موسى فال، وثيقة “الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني” على الأطراف السياسية، فبينما كان احتمال فترة رئاسية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يشكل العقبة الأكبر أمام انطلاق الحوار خلال الأشهر الماضية، جاءت الوثيقة الجديدة خالية من أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى تعديل الدستور أو مراجعة سقف الفترات الرئاسية.
هذه الخطوة أحدثت ارتياحاً ملحوظاً داخل أوساط المعارضة التي كانت تعتبر مجرد إدراج موضوع الفترات الرئاسية ضمن أجندة الحوار بمثابة محاولة لتمهيد الطريق نحو تعديل دستوري يمس أحد أكثر البنود تحصيناً في النظام السياسي الموريتاني.
تراجع تكتيكي أم حسم نهائي؟
من الناحية السياسية، يصعب الجزم بأن قضية الفترات الرئاسية خرجت نهائياً من التداول، فالوثيقة الجديدة حددت أربعة محاور رئيسية للحوار هي الوحدة الوطنية، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وتمكين الفئات الهشة، لكنها فتحت في الوقت ذاته باباً واسعاً للنقاش تحت عنوان “تقييم النموذج الديمقراطي الحالي واقتراح سبل تطويره”.
وهنا يبرز التساؤل الذي بدأ يتردد في الأوساط السياسية: هل يمكن أن يتحول نقاش “تطوير النموذج الديمقراطي” إلى مدخل غير مباشر لإعادة طرح قضية الفترات الرئاسية أو تعديل طبيعة النظام السياسي؟ هذا السؤال لا يزال مطروحاً رغم أن الوثيقة تعمدت تفادي أي ذكر صريح للمسألة التي كانت محور التجاذب بين السلطة والمعارضة منذ أشهر.
“انتصار أولي”
بالنسبة للمعارضة، يمثل اختفاء ملف الفترات الرئاسية من الوثيقة مكسباً سياسياً مهماً، لأنه يزيل أكبر أسباب التردد في المشاركة بالحوار. كما أن الوثيقة ركزت على ملفات طالما طالبت المعارضة بإدراجها، مثل الإرث الإنساني، وآثار الاسترقاق، ومحاربة التمييز، وإصلاح المنظومة الانتخابية، ومكافحة الفساد، وتحسين الحكامة.
غير أن هذا الارتياح لا يخلو من الحذر، إذ ما تزال بعض القوى المعارضة تترقب الصياغات النهائية للمخرجات وآليات اتخاذ القرار داخل الورشات المختلفة.
أكبر من “فترات رئاسية”
في المقابل، قدم النائب البرلماني المعارض ورئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا”، بيرام الداه اعبيد، قراءة مختلفة للوثيقة.
وحسب قوله، فإن النقاش المطروح حول نظام الحكم قد يكون أوسع بكثير من مجرد فترة رئاسية ثالثة، وقد يفتح نظرياً الباب أمام إعادة صياغة كاملة للنظام الدستوري، وصولاً إلى تغيير طبيعة النظام نفسه.
قدم النائب البرلماني المعارض ورئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا”، بيرام الداه اعبيد، قراءة مختلفة للوثيقة
ويرى أن المشكلة الأساسية ليست في النظام الرئاسي القائم، بل فيما يصفه بضعف استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية وهيمنة السلطة التنفيذية على مراكز القرار.
ويعتبر أن جوهر الأزمة يتعلق بالممارسة السياسية أكثر مما يتعلق بالنصوص الدستورية.
وفي الوقت نفسه، جدد رفضه لفكرة الفترة الرئاسية الثالثة، معتبراً أن المطالبين بها تحركهم حسابات المصالح والنفوذ أكثر مما تحركهم اعتبارات المصلحة الوطنية.
تمسك بالتمديد
ورغم غياب الملف من الوثيقة المرجعية، فإن أحاديث متداولة في الأوساط السياسية تتحدث عن وجود دوائر نافذة داخل النظام لا تزال مقتنعة بضرورة بقاء الرئيس الغزواني في السلطة بعد انتهاء فترته الثانية.
وتستند هذه الرؤية إلى فرضية مفادها أن موريتانيا ما زالت بحاجة إلى مرحلة طويلة من الاستقرار السياسي، وأن التداول المفتوح على السلطة قد يحمل مخاطر في بيئة إقليمية مضطربة تمتد من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو.
غير أن أصحاب هذا الطرح يواجهون عقبة دستورية وسياسية كبيرة تتمثل في أن الدستور الموريتاني بعد تعديلاته الأخيرة شدد من تحصين المواد المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، كما أن الرأي العام السياسي أصبح أكثر حساسية تجاه أي محاولة للمساس بمبدأ التداول السلمي على السلطة.
تجريم تجاوز الدستور
وفي مؤشر على تصاعد الحساسية تجاه الملف، تقدم النائب البرلماني المعارض محمد بوي ولد محمد فاضل بمقترح قانون يجرم الدعوة إلى خرق الأحكام الدستورية المحصنة.
ويقترح المشروع اعتبار الدعوة إلى تعطيل أو تجاوز المواد المحصنة جريمة خيانة عظمى لا تسقط بالتقادم، مع فرض عقوبات تصل إلى السجن عشر سنوات وغرامات مالية كبيرة، إضافة إلى الحرمان الدائم من الحقوق السياسية والمدنية.
ورغم أن المقترح يطرح باعتباره حماية للدستور، فإنه يعكس في الوقت نفسه حجم القلق السياسي الذي أثارته النقاشات المتكررة حول المأموريات خلال الفترة الماضية.
ضمانات التنفيذ
ومن اللافت أن الوثيقة المرجعية لم تكتف بتحديد محاور الحوار، بل أولت اهتماماً خاصاً لضمانات تنفيذ المخرجات.
فهي تنص على إعلان صريح من رئيس الجمهورية الالتزام بما يتم التوافق عليه، وعلى توقيع إعلان وطني للتوافق، ثم عقد مؤتمر وطني ختامي برعاية الرئيس ينتهي بخطاب يتضمن الالتزام بتنفيذ المخرجات وإنشاء آلية للمتابعة.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً لدى القائمين على الحوار أن المشكلة في موريتانيا لم تكن دائماً في إنتاج التوافقات، بل في تحويلها إلى سياسات وإصلاحات ملموسة.
هل انتهى الجدل؟
الجواب الأقرب حتى الآن هو: لا؛ فالوثيقة المرجعية نجحت في إبعاد ملف المأموريات من الواجهة المباشرة وخلقت مناخاً أكثر ملاءمة لانطلاق الحوار، لكنها لم تنه الجدل نهائياً.
وتحولت القضية من سؤال صريح حول الفترة الرئاسية الثالثة إلى نقاش أوسع يتعلق بطبيعة النظام السياسي ومستقبل المؤسسات وآليات تداول السلطة.
قضية الاستفتاء
ومن بين القراءات المتداولة في الأوساط السياسية أن تجاوز عقدة الفترة الرئاسية الثالثة قد لا يكون هدفه إنهاء الجدل حول استمرارية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد 2029، بقدر ما يهدف إلى نقل النقاش من مسألة تعديل عدد المأموريات إلى نقاش أشمل يتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه.
هل كان استبعاد ملف الفترات الرئاسية قراراً نهائياً لحسم الجدل، أم مجرد تأجيل للنقاش إلى مراحل لاحقة تحت عناوين أكثر اتساعاً مثل “تطوير النموذج الديمقراطي” و”إصلاح نظام الحكم”
فبدلاً من تعديل مادة دستورية محددة، قد يُطرح مستقبلاً مشروع إصلاح مؤسساتي واسع يُعرض على استفتاء شعبي ويعيد رسم العلاقة بين السلطات وآليات ممارسة الحكم، وهو سيناريو يرى مؤيدوه أنه يمنح شرعية شعبية مباشرة لأي تغيير، بينما تعتبره المعارضة طريقاً غير مباشر للالتفاف على مبدأ التداول على السلطة.
ومع استمرار الأطراف السياسية في دراسة الوثيقة، سيظل السؤال مطروحاً: هل كان استبعاد ملف الفترات الرئاسية قراراً نهائياً لحسم الجدل، أم مجرد تأجيل للنقاش إلى مراحل لاحقة تحت عناوين أكثر اتساعاً مثل “تطوير النموذج الديمقراطي” و”إصلاح نظام الحكم”.
الإجابة عن ذلك ستتوقف إلى حد كبير على مواقف السلطة والمعارضة خلال الأسابيع المقبلة، وعلى ما إذا كان الحوار سيبقى إطاراً لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، أم سيتحول مجدداً إلى ساحة للصراع حول مستقبل السلطة في البلاد.