تسعى أوكرانيا إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهات التقليدية، وأن العمق الروسي نفسه أصبح جزءاً من ساحة المواجهة.
لندن ـ «القدس العربي»: شنت أوكرانيا يومي الخميس والجمعة من الأسبوع الجاري واحدة من أعنف الهجمات الجوية التي استهدفت العاصمة الروسية موسكو منذ اندلاع الحرب. ويبدو أن كييف تسعى إلى استغلال التحولات الدولية الراهنة المتمثلة في انتهاء الحرب ضد إيران من أجل زيادة الضغط على الكرملين ودفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعادة النظر في حساباته المتعلقة باستمرار الحرب.
ومنذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، ظلت موسكو بعيدة نسبيا عن ساحة المواجهات المباشرة. ورغم أن الصراع هيمن على المشهد الإعلامي وأثر في السياسة والاقتصاد الروسيين، فإن الحرب بقيت بالنسبة إلى كثير من سكان العاصمة حدثا بعيدا، باستثناء بعض الحوادث المتفرقة التي تمكنت خلالها طائرات مسيرة أوكرانية من اختراق الدفاعات الجوية والوصول إلى محيط المدينة خاصة ضرب بعض المنشآت النفطية. غير أن المشهد تغير بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة. فبين الأربعاء والجمعة، عاش سكان موسكو وضواحيها أجواء الحرب الحقيقية، بعدما نفذت القوات الأوكرانية موجتين كبيرتين من الهجمات استهدفتا بنى تحتية حيوية، من بينها منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة. وأظهرت هذه العمليات قدرة أوكرانيا على توجيه ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك مناطق كانت تعتبر حتى وقت قريب بعيدة عن الخطر المباشر.
ويحمل نجاح بعض الطائرات المسيرة في اختراق منظومات الدفاع الجوي الروسية دلالات عسكرية مهمة. فمن جهة، يثير تساؤلات حول قدرة هذه المنظومات على مواجهة هجمات واسعة ومتزامنة، ومن جهة أخرى يعكس تطورا في القدرات الهجومية الأوكرانية، سواء من حيث المدى أو أساليب التخفي والمناورة. ويرى بعض المحللين أن تكرار هذه الهجمات قد يشكل ضغطا إضافيا على مخزون الصواريخ الاعتراضية الروسية، خصوصاً إذا استمرت العمليات بوتيرة مرتفعة خلال الأسابيع المقبلة.
كما تحمل هذه الهجمات بعدا نفسيا لا يقل أهمية عن بعدها العسكري. فقد أظهرت أن العاصمة الروسية، رغم ما تتمتع به من حماية أمنية وعسكرية كبيرة، ليست بمنأى عن التهديدات. وأدت الاضطرابات التي شهدتها المطارات، والإنذارات الأمنية المتكررة، ونشاط أنظمة الدفاع الجوي إلى إدخال شعور متزايد بالقلق إلى الحياة اليومية لملايين السكان.
وفي الوقت ذاته، تسعى أوكرانيا إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية مفادها أنها ما تزال تمتلك القدرة على ضرب أهداف استراتيجية تقع على بعد مئات الكيلومترات من خطوط القتال. ومن خلال هذه العمليات، تحاول كييف إظهار أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهات التقليدية، وأن العمق الروسي نفسه أصبح جزءاً من ساحة المواجهة.
وعموما، فمن وجهة نظر أوكرانيا، تشكل هذه العمليات جزءا من استراتيجية أوسع نطاقا تهدف إلى تحويل جزء من تكاليف الحرب إلى الأراضي الروسية. وتؤكد كييف أن روسيا شنت هجمات لسنوات على المدن والبنى التحتية الأوكرانية، وأن الهجمات على الأهداف الروسية تشكل ردا مشروعا في إطار هذا الصراع. وكانت الدول الغربية وخاصة واشنطن تنصح أوكرانيا بعدم مهاجمة الأراضي الروسية تفاديا لتصعيد خطير، ولهذا عندما كانت تعطيها أسلحة هجومية كانت ذات مدى محدود لتنفيذ هجمات ضد القوات الروسية في إقليم دونباس فقط.
ويبدو أن أوكرانيا تسعى إلى الاستفادة من انتهاء المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران على مستويين متوازيين: دبلوماسي وعسكري. فعلى الصعيد الدبلوماسي، يعتقد عدد من المحللين أن إدراك واشنطن لصعوبة تحقيق حسم عسكري سريع ضد إيران كان من بين العوامل التي دفعت إلى تبني خيار التهدئة والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار هذا الأسبوع. ومن هذا المنطلق، قد تراهن كييف على أن تصل موسكو إلى قناعة مماثلة مفادها أن الحسم العسكري الكامل بات أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتقال جزء من تداعيات الحرب إلى العمق الروسي ووصول الهجمات الأوكرانية إلى محيط العاصمة موسكو. وفي هذه الحالة، قد يصبح الخيار الدبلوماسي أكثر جاذبية بالنسبة للقيادة الروسية مقارنة بمواصلة حرب استنزاف طويلة الأمد.
وفي سياق متصل، أشارت صحيفة «لوموند» الفرنسية في افتتاحية نشرتها يوم السبت من الأسبوع الجاري تحت عنوان «أوكرانيا تريد تحويل الحرب لصالحها» إلى أن انتهاء المواجهة مع إيران قد يفتح نافذة جديدة أمام كييف. وترى الصحيفة أن وقف التصعيد في الشرق الأوسط قد يمنح الولايات المتحدة هامشا أكبر لإدارة مخزوناتها العسكرية وتوزيع مواردها الدفاعية. كما أن استقرار الملاحة في منطقة الخليج وتراجع المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية قد يتيحان لواشنطن العودة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية على روسيا، بما في ذلك تشديد العقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة الروسي.
وتلفت الصحيفة إلى أن أي تشديد جديد للعقوبات قد ينعكس سلبا على الإيرادات الروسية، في وقت تواجه فيه الميزانية الروسية ضغوطا متزايدة بفعل تكاليف الحرب وتباطؤ النمو الاقتصادي. ومن ثم، فإن كييف تأمل في أن يؤدي تزامن الضغوط العسكرية داخل الأراضي الروسية مع الضغوط الاقتصادية الخارجية إلى تعزيز فرصها السياسية والاستراتيجية في المرحلة المقبلة.
وفي غضون ذلك، تمثل التطورات العسكرية الأخيرة المتمثلة في استهداف موسكو تطورا لافتا في مسار الحرب التي بدأت منذ أربع سنوات، ليس فقط بسبب حجمها واتساع نطاقها، بل أيضا بسبب تداعياتها النفسية والسياسية والعسكرية. فكلما اقتربت العمليات العسكرية من العاصمة الروسية، ازدادت الضغوط على صانعي القرار في الكرملين، وتعمقت لدى الرأي العام الروسي القناعة بأن الحرب لم تعد حدثا بعيدا عن الحياة اليومية، بل باتت تفرض حضورها المباشر على الداخل الروسي بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع النزاع، وأنه ربما حانت ساعة الهدنة لاسيما وأن كييف تقبل نسبيا بالتخلي عن إقليم دونباس لصالح روسيا.