بغداد ـ «القدس العربي»: دعا آنو جوهر عبدوكا، وزير النقل والاتصالات في حكومة إقليم كردستان والسكرتير العام للتحالف المسيحي، رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى اتخاذ خطوات حاسمة لإنقاذ المكون المسيحي من تغول المليشيات والمكاتب الاقتصادية الفاسدة، مشدداً على ضرورة تحقيق شراكة وطنية حقيقية تضمن حقوق الأصلاء في بلاد الرافدين.
جاء ذلك خلال مشاركته في أعمال الدورة الـ33 للجمعية العامة النيابية الدولية للأرثوذكسية المنعقدة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، تحت شعار «المجتمعات والأقليات المسيحية في أوقات الأزمات: العلاقات بين المجتمع والدولة والكنيسة. التحديات والشدائد».
وفي كلمة ألقاها أمام ممثلي أكثر من 26 دولة وعدد من القيادات الكنسية والشخصيات السياسية والحكومية والبرلمانية من مختلف أنحاء العالم، قال المسؤول الكردي المسيحي إن «المسيحيين يتطلعون في عهد الحكومة الجديدة إلى مرحلة من الاستقرار»، مطالباً بـ«إنهاء تدخل الفصائل المسلحة والمكاتب الاقتصادية التي تسببت بخنق الوجود المسيحي، لا سيما في مناطق سهل نينوى والموصل».
وشدد في رسالته على «ملف التمثيل السياسي» للمسيحيين، مطالباً بـ«حصر التصويت في (كوتا المسيحيين) بأبناء المكون المسيحي حصراً، لضمان وصول ممثلين حقيقيين يعبرون عن إرادتهم الحرة بعيداً عن الأجندات الإقليمية أو التدخلات الخارجية. كما دعا الحكومة إلى الاستماع لمطالب «كتلة الإرادة المسيحية النيابية باعتبارها الممثل للأكثرية المسيحية في البرلمان، وإشراكها بفعالية في التمثيل الوزاري والإداري».
وأفاد بأن «مستقبل المسيحيين في العراق مرتبط طردياً ببناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، وإنهاء مظاهر السلاح المنفلت»، مؤكداً أن «هذه المبادئ هي الضمانة الوحيدة لإعادة الثقة وترسيخ قيم المواطنة المتساوية التي تحمي جميع المكونات تحت مظلة الدستور».
كما تناول واقع المسيحيين في الشرق الأوسط وتجربة الصمود التي عاشتها المجتمعات المسيحية الأصيلة.
وقال: «لعل أعظم صور هذا الصمود تتجلى اليوم في إقليم كردستان. فعندما اجتاح ظلام داعش المنطقة، وباتت جماعات بأكملها تواجه خطر الإبادة والاقتلاع، فتحت كردستان أبوابها أمام الفارين من العنف والإرهاب دون تفرقة على أساس العرق والدين، ولجأ إليها أكثر من 120 ألف مسيحي وصلوا وهم لا يحملون سوى إيمانهم وذكرياتهم وأملهم في العثور على مكان آمن».
وأضاف أن «قادة إقليم كردستان وقفوا إلى جانب المواطنين المسيحيين في تلك المرحلة المصيرية»، مشيراً إلى ما وصفه «الموقف الأخلاقي والتاريخي» لزعيم الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، مسعود بارزاني تجاه المسيحيين الفارين من قبضة التنظيم.
وفي حديثه عن واقع المسيحيين اليوم في إقليم كردستان، أشاد وزير النقل والاتصالات بـ«الرؤية التي تتبناها حكومة إقليم كردستان برئاسة رئيس الوزراء مسرور بارزاني»، مؤكداً أن «هذه الرؤية تتجاوز مفهوم الحماية إلى مفهوم التمكين والازدهار».
غير أنه اعتبر أن «الحماية وحدها لا تكفي، فمستقبل الجماعات المسيحية الأصيلة لا يُبنى على البقاء فقط، بل على الازدهار. فالهدف ليس فقط أن يبقى المسيحيون في أرضهم، بل أن يزدهروا فيها».
وشار إلى أن «هذه الرؤية تتجسد من خلال العديد من السياسات والمبادرات العملية بقيادة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، من بينها دعم بناء الكنائس والمؤسسات الكنسية وتخصيص الأراضي لها، إضافة إلى استمرار أكثر من 50 مدرسة حكومية سريانية في أداء رسالتها التعليمية لأكثر من 6 آلاف طالب باللغة السريانية (الكلدانية والآشورية) إلى جانب الدور الذي تضطلع به المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في الحفاظ على التراث السرياني وتطوير وسائل جديدة لتعزيز ارتباط الأجيال به».
من تغوّل الميليشيات… ومكاتبها الاقتصادية
كما تحدث أيضاً عن «إنشاء مجمع سكني للشباب المسيحي دعماً لبقائهم في وطنهم، وإلى مشاركة المسيحيين في الحياة العامة والمؤسسات الحكومية، فضلاً عن الإصلاحات الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية والاستثمارات التي تستهدف توفير مستقبل كريم للشباب داخل أوطانهم».
وأكد عبدوكا أن «إقامة يوم الصلاة الوطني في كردستان، بدعم مباشر من مسعود بارزاني وبمشاركة ممثلي الأديان والكنائس والمؤسسات المدنية وشخصيات من 56 دولة، تمثل تجسيداً حقيقياً لإيمان الشعب والقيادة الكردستانية بقيم العيش المشترك والمساواة والعدالة».
وتحدث عبدوكا عن مدينة عنكاوا- مركز تواجد المسيحيين في مدينة أربيل، قائلاً: «عنكاوا، مدينتي، التي كان فيها كنيستان فقط عام 1991، تضم اليوم، وفي ظل الواقع الجديد بدعم حكومة إقليم كردستان، 17 كنيسة ومؤسسة كنسية، إلى جانب جامعة ومستشفى ومدارس عديدة ومجمع سكني ودار للعجزة ومؤسسات اقتصادية أخرى تابعة للكنيسة».
وشدد على أن «رسالة إقليم كردستان واضحة»، معتبراً أن «مستقبل المسيحيين في العراق لا ينبغي أن يكون مستقبلاً للهجرة الدائمة، وإنما مستقبل للمواطنة الواثقة والفاعلة».
وشهد المؤتمر، الذي شارك فيه ممثلون للحكومات وسياسيون وبرلمانيون وقيادات كنسية من أكثر من 26 دولة، حضوراً شرقياً لافتاً، فيما أعرب العديد من المشاركين في النقاشات على هامش المؤتمر عن اهتمامهم وإعجابهم بالتجربة التي قدمها إقليم كردستان في مجال التنوع الديني والعيش المشترك والتنمية المستدامة، معتبرين إياها نموذجاً فريداً في الشرق الأوسط وتجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها في تعزيز ثقافة العيش المشترك وحماية المجتمعات المسيحية الأصيلة في المنطقة.
وسبق أن استقبل القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد، جوشوا هاريس، في وقت سابق من هذا الأسبوع، وفداً من كتلة «صويانا» المسيحية النيابية، لبحث مستجدات الأوضاع السياسية في العراق وملف حقوق المكونات الأصيلة.
وضم الوفد كلاً من رئيس الكتلة النائب كلدو رمزي أوغنا، والنائبين عماد يوخنا ياقو وسامي أوشانا.
وذكر المكتب الإعلامي للكتلة، في بيان له، أن «اللقاء تركز على مناقشة أوضاع المكون المسيحي وضمان حقوقه الدستورية والسياسية، مع التأكيد على ضرورة إدارة التنوع في العراق بشكل يحفظ حقوق الجميع».
وشدد الوفد خلال الاجتماع على أهمية «احترام الاستحقاق الانتخابي للمكون المسيحي، وضمان تمثيله العادل في مؤسسات الدولة بما يعكس إرادة الناخبين ونتائج العملية الديمقراطية».
كما استعرض الجانبان «مسار استكمال التشكيلة الحكومية برئاسة علي فالح الزيدي، حيث أكد وفد (صويانا) دعمه للبرنامج الإصلاحي للحكومة وجهودها في تعزيز الاستقرار الأمني وتحقيق التنمية الاقتصادية، معتبرين أن نجاح الحكومة يصب في مصلحة ترسيخ الاستقرار السياسي الشامل في البلاد».
وأكد الطرفان على «عمق العلاقات العراقية ـ الأمريكية، وأهمية العمل المشترك لتعزيز قيم التعددية والتعايش السلمي، بما يضمن حضور المكونات الأصيلة في المشهد الوطني وصون دورها التاريخي والسياسي في بناء مستقبل العراق»، حسب البيان.