القاهرة ـ «القدس العربي»: الكثير من الكُتّاب أرّخوا لجوانب من التاريخ الثقافي والسياسي المصري الخصب، كل حسب توجهاته ووجهة نظره للأحداث التي ربما عايشها أو صاغها من وجهة نظر تاريخية أو اجتماعية، وقد خالط بعض من هذه الكتابات أجزاء من سيرة ذاتية للكاتب نفسه، أو هكذا يمكن أن تُقرأ. في ندوة أقيمت مؤخراً في مكتبة (الكتب خان) في القاهرة، تمت مناقشة كتابين تناول كل منهما شكلاً من أشكال التأريخ، أولهما كتاب «الإمساك بالقمر» للكاتب والروائي والصحافي محمود الورداني، الصادر عن دار الشروق 2021، والثاني للصحافي والمترجم بدر الرفاعي، بعنوان «حنين إلى الدائرة المغلقة»، الصادر عن دار الكرمة 2025. أدار اللقاء الكاتب ياسر عبد اللطيف. وهنا جانب من الندوة..
التأريخ والسيرة
بدأ ياسر عبد اللطيف بمقدمة عن الكاتبين والفترة التي شكّلت تجربتهمان مُشيراً إلى أن مصر في فترة الستينيات كانت جزءا من حركة عالمية، وإن كان الكتابان يؤرخان لمصر وأحوالها، إلا أن كلا منهما يختلف تماماً عن الآخر، حيث يبدو بدر الرفاعي أقرب إلى السيرة الذاتية الفعلية، فيبدأ السيرة من الطفولة، حيث ينتمي لأب وأم ينتميان للمنظمة الشيوعية (كادر عمالي) وقد عانى في طفولته من الملاحقات الأمنية لأسرته، فكُتب عليه الفرار دوماً، أما الورداني فالأمر يلتبس ما بين السيرة الذاتية والمذكرات التاريخية، حيث يتناول ظواهر ثقافية بعينها، وهو ما عاشه بالفعل، فلم يلجا إلى مصادر أو مراجع وأرشيفات تاريخية، ولكنه يعتمد على الذاكرة. لذا فهو ينطلق من كونه منخرطاً في الحدث وعضواً عاملاً في الحدث الثقافي والسياسي بجسده وأفكاره، وهو ما يبدو في آلية التذكر نفسه، الذي لا يأخذ مسافة من الحدث.

بينما عند الرفاعي التذكر دقيق جداً وحاد جداً، فالفصل الأول على سبيل المثال مخصص لذكرياته في قرية في ريف الدلتا ليسرد في دقة شديدة مظاهر تلك الحياة الريفية، وحتى تمدن الريف المصري، فكان الغرض منها الكتابة عنها قبل أن تختفي من الحياة، إلا أنه يتشبث بالصورة القديمة التي انتهت، وهو ما يختلف كثيراً عن الكثير من الكتاب الذين تحدثوا عن هذه المظاهر، لكن الرفاعي يرى الريف ومظاهره من خلال منظور الطفل العابر.
المنخرط والعابر
عن هذه التفرقة في وجهة النظر، يجيب الورداني أنه بدأ الكتابة أو الذي حرّض عليها هو سماعه ومعرفته بخبر وفاة المخرج وكاتب السيناريو (محمد كامل القليوبي)، ويقول.. «كل ما كنتُ أريده هو أن أكتب ما يشبه الرثاء لصديقي، ففوجئت بما كتبت، فلم أكن أنوي كتابة سيرة ذاتية، لكن التداعيات انهمرت. أما بالنسبة للرفاعي فالموضوع مختلف، فهو متعمد ويعلم تماماً أنه يكتب سيرة ذاتية، فنحن كتبنا كتابين مختلفين تماماً».
ويؤكد الرفاعي وجهة النظر هذه مضيفاً.. «هذا الكلام صحيح، فأنا كنت متأثراً بفكرة وفي الوقت نفسه منتقداً لها، فهناك مسافة ما بين الواقع فعلاً وقناعاتي، وهو ما حاولتُ التعبير عنه بشكل واضح في الكتاب.. الفارق الآخر والأساسي بين التجربتين هو أن الورداني روائي في الأصل، أما أنا فهذه هي المرّة الوحيدة التي كتبت فيها، بخلاف عملي كمترجم. كما أن الفارق ما بين الروائي وكاتب السيرة هو (الخيال) وهو الذي يفصل بيننا هنا. فأنا ككاتب سيرة أتعامل مع شخصيات لا شخوص، وكذلك الوقائع الحقيقية تماماً، وأعتقد أن هذا هو المختلف بيني وبين الورداني.
السيرة والخيال
ويرى عبد اللطيف أن كتاب الورداني «الإمساك بالقمر» يمكن تصنيفه على أنه مذكرات في السياسة والثقافة، أكثر من كونه سيرة ذاتية، ولكن سيرته الحقيقية تجسدت في روايته (بيت النار) حيث تناول كل ما مرّ على حياته من منظور العمل دراسة وتجنيدا وثقافة وسياسة. من جانبه أضاف الورداني.. «في بيت النار كانت فرصة للمرور على لحظات كثيرة مررتُ بها، وأوكد أنها لم تكن واقعية مطلقاً، على عكس ما تراءى للكثيرين، وعندي قناعة مطلقة بأن ما يُكتب يختلف تماماً عما حدث. حتى التجربة السياسية تختلف عن واقعها الحقيقي». وبالسؤال عن الخيال ودوره، يقول الرفاعي.. «الذي دفعني بالأساس هو الجزء الأول من الكتاب والخاص بالقرية، فكنت حريصا على توثيقه قبل اندثاره، وبعد الانتهاء منه جاءت فكرة استكمال الكتاب، فلم يكن الخيال هنا هو مُحرّك الأحداث، بل الحنين إلى ما كان».

وبسؤال عبد اللطيف إلى الورداني بأن الأخير أسير لهذه اللحظة، والتي تعد منطلقاً لكتاباته، وأنه من الجيل الذي يُطلق عليه جيل الحركة الطلابية، وكأنه لا توجد حركة طلابية سوى هذه الحركة! يقول الورداني.. «أنا لا أعرف سوى ما حدث لي شخصياً وعايشته وعبّرت عنه شخصياً، وإن كان تكرر في العديد من أعمالي فهو معناه أنها لحظات مجيدة جداً، فما حدث في اعتصامات 1972 لم يتكرر إلا في الـ18 يوما وقت ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وحتى لو تم التعبير عنها في شكل رومانتيكي فهي تستحق. ويضيف الرفاعي.. «دورنا بدأ في 68، فقمنا بأول خروج جماهيري على نظام عبد الناصر، وفي أحداث الحركة الطلابية كنتُ في الجيش ضابط احتياط، وكنا متعاطفين تماماً مع الحركة».
الأجيال الثقافية والسياسية
أشار ياسر عبد اللطيف إلى انتماء الكاتبين فكرياً وثقافياً لجيل الستينيات، وسياسياً لجيل السبعينيات، فرد الورداني قائلاً.. «عندي مشكلة في أن يتواجد جيل كل 10 سنوات، فلا يستطيع مجتمع أن ينتج ذلك، وفي كتابي استخدمت مصطلح (موجات) دون أجيال. لكن رأيي أن مرحلة الستينيات مرحلة فارقة، وقد حدث تغيير كبير في الكتابة والرؤية والخروج من عباءة النظام الناصري ورؤيته. أما في مجال السياسية والحركات السياسية فالأمر مختلط تماماً، فما كُتب قليل ومشوّش، وأنا أقدّر أنها كانت حركات سرية، ولكننا انتهينا وانتهت تلك الحركات، فلماذا لم يتم الكتابة عنها بشكل منظم؟!
حركات هشّة
وبالسؤال عن كيفية انهيار تلك الحركات بسهولة، يرى بدر الرفاعي أنه سؤال لا يعرف إجابته حتى الآن، ففي آواخر السبعينيات جميع هذه التنظيمات اختفت! ويضيف الورداني.. «هناك عدة دلائل أهمها الانفتاح الاقتصادي والسفر إلى الخليج، فتأصلت فكرة الربح والكسب، وكل هذا لم يكن موجداً في مصر قبلها، مصر كانت بلداً آخر عما نعيشه اليوم. فلا يوجد حلم مصري الآن، جاء رجل اسمه (أنور السادات) وأطاح بكل الأحلام والقيم المصرية».
وبالسؤال عن أن السادات هو المسؤول الأوحد عن فساد الروح العامة للمصريين، يقول الرفاعي.. السادات كان عاملا مؤثرا ومهما في الموضوع، إضافة إلى العوامل الأخرى، ولنعد إلى عبد الناصر رغم العديد من إنجازاته، فلم يترك ضمانات لهذه الإنجازات، وخلال وجوده حتى قبل رحيله، ففي عصره شهدنا أكبر ظهور للرشاوى والمحسوبية، فليس السادات فقط هو المسؤرل، لكنه وجد التربة الخصبة لذلك.. «الحكاية «بايظة» من الأول».