نواكشوط –»القدس العربي»: في وقت تتقاطع فيه التحذيرات الدولية مع مؤشرات التوتر المتصاعد في فضاء الساحل، يؤكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في تقرير أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف أن المنطقة تقف على حافة تحول خطير قد يعيد تشكيل معادلات الأمن والاستقرار في واحدة من أكثر البؤر حساسية في القارة الإفريقية.
وفي هذا السياق، تتابع موريتانيا بترقب دقيق تطورات المشهد الإقليمي، بينما تابع وزير دفاعها الجنرال حننه ولد سيدي، جولته مسلماً رسائل من الرئيس الغزواني لقادة مالي والنيجر والتشاد، تعكس حجم القلق من تداعيات المرحلة المقبلة، وتظهر أن التحولات الجارية في الساحل لم تعد شأناً محلياً، بل قضية تمس الأمن الإقليمي والدولي في آن واحد.
تحذير أممي حاسم
وتتجه منطقة الساحل نحو مرحلة أكثر اضطراباً مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الأنظمة العسكرية الحاكمة على استعادة زمام المبادرة، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن المنطقة تقف عند «نقطة تحول خطيرة» قد تنذر بمزيد من الانفلات الأمني وتآكل سلطة الدولة.
وجاء التحذير الأممي على لسان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي أكد أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، أن الجماعات المتطرفة كثفت هجماتها المنسقة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مخلفة أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين ومفاقمة هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة تعيش أصلاً واحدة من أعقد الأزمات في القارة الإفريقية.
مرحلة تحول
وفي مالي، تبدو التطورات الميدانية الأخيرة مؤشراً على تحولات عميقة في طبيعة الصراع، فبعد سنوات من الرهان على الشراكة العسكرية مع روسيا عقب القطيعة مع فرنسا، تجد السلطات الانتقالية نفسها أمام واقع أمني لا يزال يتدهور رغم الحضور الروسي المتزايد.
وتشير تقارير أمنية إلى أن «أفريكا كوربس»، التي حلت محل مجموعة فاغنر منذ منتصف عام 2024، بدأت تغيير تكتيكاتها على الأرض، متجهة نحو تقليص انتشارها في شمال مالي والتركيز على حماية العاصمة باماكو ومراكز السلطة الرئيسية، مع الاعتماد بصورة أكبر على الضربات الجوية والدعم الاستخباراتي للقوات المسلحة المالية.
ويأتي هذا التحول بعد الخسائر التي تكبدتها القوات الروسية والجيش المالي في منطقة تنزواتين قرب الحدود الجزائرية، ثم الانتكاسة الكبيرة التي تمثلت في فقدان السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية لصالح جبهة تحرير أزواد وحلفائها.
وبحسب مراقبين، فإن موسكو لم تعد تسعى إلى خوض حرب استنزاف واسعة في الشمال المالي، بل بات هدفها الرئيسي يتمثل في حماية النظام العسكري الحاكم ومنع انهيار مؤسسات الدولة المركزية، وهو ما يفسر إعادة انتشار قواتها وتقليص مشاركتها المباشرة في المعارك البرية.
النصرة وتوسيع النفوذ
في المقابل، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توسيع نفوذها في مناطق واسعة من مالي، مستفيدة من هشاشة الدولة ومن حالة التململ داخل بعض المجتمعات المحلية.
ولم يعد نشاط الجماعة يقتصر على الهجمات التقليدية والكمائن، بل بات يشمل استخدام الطائرات المسيّرة في الاستطلاع والقصف، وفرض حصارات اقتصادية على بعض المحاور التجارية، واستهداف القواعد العسكرية الروسية والمالية، في تطور يعكس انتقال التنظيمات المسلحة إلى مرحلة أكثر تطوراً من الناحية العملياتية.
ويشير خبراء إلى أن الجماعات الجهادية نجحت خلال السنوات الأخيرة في استثمار الأخطاء التي رافقت العمليات العسكرية الحكومية، خصوصاً الاتهامات المتكررة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، وهو ما ساهم في توسيع قاعدة التعاطف معها داخل بعض المناطق الريفية والنائية.
ولا يقتصر القلق الدولي على الجانب الأمني فقط، إذ تتزايد المخاوف من تراجع الحريات العامة في دول الساحل التي تحكمها مجالس عسكرية.
فقد انتقدت الأمم المتحدة عمليات الاعتقال والاختفاء القسري والتضييق على وسائل الإعلام والمعارضة السياسية، معتبرة أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من احتوائها.
تصعيد جهادي
وفي بوركينا فاسو، تتواصل هجمات الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية رغم التعهدات المتكررة للسلطات العسكرية باستعادة السيطرة على البلاد.
أما في النيجر، فتشهد مناطق واسعة تصاعداً في الهجمات المسلحة وسط تنامي ظاهرة المجموعات المحلية المسلحة التي ترفع شعار «الدفاع الذاتي»، وهو ما يثير مخاوف من انزلاق بعض المناطق نحو صراعات أهلية ومواجهات بين المكونات المحلية.
ويرى متابعون أن منطقة الساحل دخلت مرحلة جديدة عنوانها تراجع فعالية المقاربات العسكرية التقليدية، مقابل صعود الجماعات المسلحة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الميدانية.
فبعد انسحاب القوات الفرنسية وتوسع الحضور الروسي، لم يتحقق الاستقرار المنشود، بل أصبحت بعض التنظيمات أكثر انتشاراً وقدرة على المبادرة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو دول الساحل أمام اختبار صعب: فإما التوصل إلى مقاربة شاملة تعالج الجوانب الأمنية والسياسية والتنموية معاً، أو مواجهة خطر تحول مساحات أوسع من المنطقة إلى مناطق نفوذ مفتوحة تتقاسمها الجماعات المسلحة والجيوش النظامية في صراع طويل الأمد لا تلوح له نهاية قريبة.
موريتانيا تتأهب
وفي خضم هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تتابع موريتانيا عن كثب التحولات الأمنية والعسكرية المتسارعة في منطقة الساحل، ولا سيما في مالي التي تتقاسم معها حدوداً تمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، وتشهد أجزاء واسعة منها تصاعداً في نشاط الجماعات المسلحة.
وتبنت نواكشوط خلال السنوات الأخيرة مقاربة تقوم على اليقظة الاستباقية وتحصين الحدود، حيث عززت انتشارها العسكري على طول الشريط الحدودي مع مالي، ورفعت من مستوى المراقبة والاستطلاع في المناطق الصحراوية الحساسة، تحسباً لأي تداعيات محتملة للتطورات الجارية في الجوار المالي.
ويرى مراقبون أن المؤسسة العسكرية الموريتانية تتابع باهتمام خاص التحولات التي يشهدها الصراع في مالي، بما في ذلك التوسع المتزايد لاستخدام الطائرات المسيّرة من قبل الجماعات المسلحة، والتغيرات التي طرأت على أساليب عمل القوات الروسية والجيش المالي، وهو ما دفعها إلى تطوير قدراتها العملياتية والاستخباراتية بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات المستجدة.
وفي سياق تعزيز جاهزيتها الدفاعية، اتجهت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع مصادر التدريب والتسليح والشراكات العسكرية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، بما يسمح لها بالحفاظ على استقلالية قرارها الأمني والعسكري وعدم الارتهان لمصدر واحد في مجال التجهيز أو التكوين.
كما تواصل نواكشوط الاستثمار في بناء قوات عالية الحركة وقادرة على التدخل السريع في المناطق الصحراوية الشاسعة، وهي المقاربة التي ساهمت في تحييد الخطر الجهادي داخل الأراضي الموريتانية منذ أكثر من عقد، رغم استمرار الاضطرابات الأمنية على امتداد الحدود الشرقية.
ويجمع متابعون للشأن الأمني في المنطقة على أن موريتانيا تبدو اليوم في موقع مختلف عن بقية دول الساحل، إذ تفضل الجمع بين الحزم الأمني والعمل الاستخباراتي والتنمية المحلية والتعاون مع الشركاء الدوليين، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب الانخراط المباشر في الاستقطابات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة.
وبينما تتزايد المؤشرات على دخول الساحل مرحلة جديدة من عدم اليقين، تراهن موريتانيا على مواصلة سياسة الحذر الاستراتيجي ومراقبة التطورات الميدانية عن قرب، مع المحافظة على جاهزية قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها الدفاعية تحسباً لأي انعكاسات قد تفرضها التحولات الجارية في مالي وفي عموم الفضاء الساحلي.