أحمد كوكب/المدى
في ظل التحديات التي شهدتها حركة إمدادات الطاقة في المنطقة خلال الأشهر الماضية، تتجه وزارة النفط إلى استثمار التهدئة الجيوسياسية لتعزيز خيارات تصدير الخام عبر مسارات برية وشمالية، لتقليل الاعتماد على المنفذ البحري في الخليج وتأمين بدائل مستدامة لصادراته النفطية.
وتؤكد وزارة النفط استئناف تصدير النفط عبر جيهان وصيانة الأنبوب القديم لتقليل الاعتماد على منفذ تصديري واحد في الخليج كخطوة استراتيجية عملية تُنوّع شرايين التصدير وتقلل من المخاطر.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط، سليم الركابي، في حديث لـ(المدى)، إن “الوزارة استأنفت عمليات تصدير النفط الخام عبر أنبوب الإقليم إلى ميناء جيهان التركي”.
وأضاف الركابي أن “الوزارة تعمل حالياً على صيانة خط الأنبوب القديم للتصدير من خلاله علاوة على التصدير من خلال الحوضيات عبر الأراضي الأردنية والسورية لتنويع منافذ التصدير وتقليل خطورة الاعتماد على منفذ واحد”.
وفي السياق ذاته، يرى المتخصص في شؤون النفط والغاز والطاقة، كوفند شيرواني، أن “الخطوات الرسمية الأخيرة لاستئناف الصادرات عبر ميناء جيهان التركي تمثل استجابة حتمية لثلاثة أسباب استراتيجية تمنح هذا الممر الأفضلية كمنفذ إنقاذي مستدام”.
وقال شيرواني، في حديث لـ(المدى)، إن “السبب الأول يكمن في كون أنبوب جيهان يمثل أقرب مسار لوجستي لتصدير نفوط حقول إقليم كردستان والمحافظات الشمالية والوسطى”، مبيناً أن “السبب الثاني يتمثل في جدواه الاقتصادية العالية، كونه الخط الأمثل لإيصال النفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية المستهلكة، في حين يتجسد السبب الثالث في كونه الممر الوحيد الذي كان متاحاً لتسيير النفط بعد التوقف التام لعمليات التصدير عبر الخليج إثر اندلاع الحرب الأخيرة في آذار الماضي”.
وأوضح أن “خط جيهان يمثل الرديف والمساند لخط التصدير الرئيسي عبر موانئ البصرة”، مشيراً إلى “تباين الإحصائيات السابقة؛ حيث كان العراق يصدر إجمالاً 3.5 مليون برميل يومياً، منها كتلة التصدير الأكبر بواقع 3.3 مليون برميل تتدفق جنوباً عبر الخليج، فيما يتكفل خط جيهان بنقل المتبقي الذي يتراوح بين 200 إلى 300 ألف برميل يومياً فقط”.
وفي تقييمه للبدائل الأخرى التي طرحتها الوزارة، أشار إلى أن “التصدير عبر الأراضي السورية يمتلك ميزة استراتيجية واعدة كونه أقصر مسافة وقادراً على استيعاب كميات من نفط الشمال والجنوب المعطلة وتوجيهها نحو ميناء بانياس على البحر المتوسط، مما يجعله مثالياً للأسواق الأوروبية وأمريكا الشمالية”.
ولفت إلى أن “مشروع التصدير نحو الأردن بالحوضيات أو عبر أنبوب البصرة – العقبة المقترح سابقاً يمتلك جدوى أقل؛ نظراً لبعد المسار والاتفاقات الشاملة على تعريفات مالية كبيرة وبيوعات مخفضة، فضلاً عن رسوم قناة السويس اللاحقة، مما يفقده الميزة التنافسية التي تمتلكها موانئ جيهان وبانياس”.
وانتقد غياب الرؤية الاستباقية طويلة الأمد، مؤكداً أن “أبرز التحديات تمثلت في عدم تخطيط وزارة النفط والحكومات المتعاقبة بشكل جدي ومبكر لإنشاء منافذ بديلة تجنب البلاد العوامل الجيوسياسية المتكررة في منطقة الخليج منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الحرب الأخيرة، حيث ظل الاعتماد بنسبة تزيد على 90% على جنوب البلاد فحسب لتأمين العائدات التي تغذي الخزينة العامة”.
وبين أن “المنافذ البديلة كانت دائماً احترازية في خطط دول الجوار؛ إذ أنشأت السعودية خط أنابيب مسانداً يربط حقول الشرق بموانئ الغرب بطاقة استيعابية ضخمة تجاوزت 7 ملايين برميل يومياً، فيما أنشأت الإمارات خطاً حديدياً يربطها بميناء الفجيرة لتجاوز مضيق هرمز تماماً”.
وخلص إلى أن “استمرار الوزارة في بناء وتفعيل هذه المنافذ المتعددة وقت السلم سيمنح الدولة مرونة تحمي إيراداتها التي تشكل عصب الموازنة”.
وحذر من أن “التوقف الفجائي عن التصدير لا يعني فقط ضياع السيولة، بل يتسبب في إشكالات فنية معقدة تضرب البنية التحتية للمنشآت النفطية نفسها، بدءاً من الآبار والحقول وصولاً إلى محطات الضخ ومعامل المعالجة”.