لا تتركونا تحت وطأة الديون


أحمد كوكب/المدى
تواجه شريحة العمال في العراق ضغطاً معيشياً متصاعداً بين الأجور المنخفضة وتكاليف المعيشة المرتفعة، بينما يبقى الحد الأدنى البالغ 350 ألف دينار شهريا، وهو دون خط الفقر التقديري، خاضعا لسياسات وزارة العمل، وعجز الدولة عن موازنة الدخل مع متطلبات الحياة الكريمة لأوسع شريحة اجتماعية .

أجر لا يكفي أمام الغلاء
يقول قيس مراد، عامل في بغداد، في حديث لـ(المدى)، إن “أجره يبلغ 10 آلاف دينار مقابل نحو 10 ساعات عمل يوميا، أي بمعدل ألف دينار للساعة الواحدة، وهو مبلغ لا يكفي سوى لتغطية احتياجاته اليومية والشخصية”.

ويضيف مراد أن “هذا الدخل لا يمكن أن يلبي متطلبات العامل إذا كان مسؤولا عن إعالة أسرة، إذ لن يستطيع توفير احتياجاتها الأساسية”، مبينا أن “ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة تسبب بضغط كبير بسبب محدودية الدخل مقابل ارتفاع أسعار السلع”.
ويشير إلى أن “أسعار الملابس والمواد الغذائية ارتفعت بشكل ملحوظ، حتى بعض الاحتياجات البسيطة أصبحت تشكل عبئا إضافيا على العامل”، موضحا أن ذلك دفعه إلى “ترك بعض الاحتياجات أو تأجيلها إلى وقت لاحق”.
ويتابع مراد أن “العمل لساعات طويلة لم يترك له مساحة للبحث عن مصدر دخل آخر”، متسائلا: “إذا كان العامل يعمل عشر ساعات يوميا، فمتى يحصل على الراحة؟ ومتى يتمكن من الاستفادة من الأموال التي يحصل عليها؟”.
ويرى أن “ضعف دور النقابات وصمت بعض الجهات المعنية، إلى جانب قبول بعض العمال بالأجور المنخفضة بسبب الحاجة، منح بعض أصحاب العمل فرصة للضغط وتقليل الأجور”.

ويطالب مراد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بـ”رفع الحد الأدنى لأجور العمال بما يتناسب مع ظروف المعيشة، وعدم تركهم تحت وطأة الديون وتشديد الرقابة على أصحاب العمل لضمان حقوق العاملين”.

تحديات ملف الأجور
في المقابل، تؤكد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن الحد الأدنى للأجور المعتمد حاليا يبلغ 350 ألف دينار شهريا، وفقا لقرار مجلس الوزراء رقم (413) لسنة 2017، والذي أقر بعد توصيات لجنة مختصة ضمت ممثلين عن الحكومة وأصحاب العمل والعمال.

وقال مدير عام دائرة الإعلام والعلاقات العربية والدولية في الوزارة كاظم العطواني في حديث لـ( المدى ) إن ، “الوزارة تتابع بصورة مستمرة المتغيرات الاقتصادية ومؤشرات سوق العمل ومستويات الأسعار والتضخم، وتناقشها ضمن اجتماعات اللجان المختصة والحوار الاجتماعي مع الشركاء”.

وأوضح العطواني أن “معايير تحديد الأجور تعتمد على معدلات التضخم، وكلفة المعيشة، ومتطلبات الأسرة العراقية، فضلا عن مؤشرات النمو الاقتصادي والإنتاجية وأوضاع سوق العمل وقدرة القطاع الخاص على تحمل أي زيادات محتملة”.
وأشار إلى أن “ارتفاع الأسعار والتضخم يؤثران بشكل مباشر في القوة الشرائية للعمال”، مؤكدا أن الوزارة تعمل على “تعزيز الحماية الاجتماعية وتطوير برامج التشغيل والتدريب المهني ودعم فرص العمل اللائق”.

وبيّن أن من أبرز التحديات في ملف الأجور “الحفاظ على التوازن بين حقوق العمال وقدرة أصحاب العمل، إلى جانب ارتفاع نسبة العمالة غير المنظمة والحاجة إلى تعزيز الالتزام بالقوانين”.
وأكد أن الوزارة تتابع تطبيق قانون العمل عبر أقسام التفتيش العمالي، وتنظم زيارات ميدانية لمواقع العمل، وتستقبل الشكاوى العمالية، وتتخذ الإجراءات القانونية بحق الجهات المخالفة.

مؤشرات التضخم
ويرى المختصص في الشأن الاقتصادي، ضياء المحسن في حديث لـ( المدى ) أن “الحد الأدنى للأجور لا يتناسب بشكل كامل مع كلفة المعيشة الحالية، خصوصا مع ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل والخدمات”.
ويقول المحسن إن “التضخم أدى إلى تراجع القيمة الحقيقية للأجور، فأصبح العامل قادرا على شراء كمية أقل من السلع والخدمات بالدخل نفسه، وهو ما ينعكس بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة”.

ويضيف أن “العراق بحاجة إلى ربط الحد الأدنى للأجور بشكل أكثر انتظاما بمؤشرات التضخم وكلفة المعيشة والإنتاجية، لضمان مواكبته للتغيرات الاقتصادية”.
ويحذر من أن استمرار الفجوة بين الأجور ومتطلبات الحياة قد يدفع بعض العمال إلى “البحث عن أعمال إضافية أو اللجوء إلى القطاع غير المنظم لتعويض انخفاض الدخل الحقيقي”.
ويشير المحسن إلى أن زيادة الأجور قد تسهم في تحسين القدرة الشرائية وتحفيز النشاط الاقتصادي، لكنه يؤكد ضرورة أن تكون “تدريجية ومدروسة”، بالتزامن مع دعم القطاعات الإنتاجية للحد من التضخم.

فجوة الدخل ومتطلبات المعيشة
من جهتها، تقول عضو المكتب التنفيذي في الاتحاد العام لنقابات عمال في العراق، سميرة الناصر، خلال حديث لـ(المدى) إن “350 ألف دينار لا تواكب الاحتياجات الأساسية للعامل العراقي، بسبب الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات”.
وتوضح الناصر أن “هناك فجوة حقيقية بين دخل العامل ومتطلبات المعيشة اليومية، لاسيما مع ارتفاع أجور السكن والخدمات والتعليم والصحة”، مشيرة إلى أن “عددا من أصحاب العمل لا يلتزمون بالحد الأدنى للأجور، وسط صعوبة متابعة جميع مواقع العمل بسبب قلة أعداد المفتشين”.
وتبين أن “الحد الأدنى الحالي للأجور أصبح دون خط الفقر التقديري في العراق البالغ نحو 500 ألف دينار شهريا”، لافتة إلى أن “ارتفاع البطالة يدفع كثيرا من العمال إلى قبول الأجور المتاحة خوفا من فقدان فرصة العمل”.
وتدعو الناصر إلى “إجراء مراجعة شاملة لسياسات الأجور، ووضع آلية دورية تعتمد على التضخم وكلفة المعيشة، مع تعزيز الحوار بين الحكومة والنقابات وأصحاب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *