لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق ديفيد إغناطيوس كشف فيه الجوانب السرية التي قادت إلى موافقة الرئيس دونالد ترامب على اتفاق مبدئي لوقف الحرب مع إيران. وقال إن المساومة المتعرجة والتي شارك فيها مبعوث قطري ومبعوثا دونالد ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف قادت في النهاية إلى اتفاق الإطار.
وقال الكاتب إن شعورا أثار انتباهه وهو يستمع إلى المفاوضين الأمريكيين والعرب وهم يروون له تفاصيل مفاوضاتهم الطويلة والمتعرجة مع إيران على مدى الأشهر الخمسة الماضية، بأن إطار العمل الذي أُعلن عنه يوم الأحد ليس نهاية المطاف، بل خطوة مؤقتة، قد تثبت أنها فاشلة.
ويرى الكاتب أن الاتفاق يعد من الناحية الدبلوماسية، مخرجا من حرب مكلفة وغير شعبية، ولا يعتبر انتصارا، بل لا يرقي إلى مستوى وعود الرئيس ترامب المبكرة بتغيير النظام والاستسلام غير المشروط. حتى أن أحد مستشاري ترامب المقربين أقر قائلا: “الأمر غير حاسم في الوقت الراهن، بمعنى أنه لا يمكن القول إنه نجاح باهر، ولا يمكن القول إنه فشل ذريع”.
الاتفاق يعد من الناحية الدبلوماسية، مخرجا من حرب مكلفة وغير شعبية، ولا يعتبر انتصارا، بل لا يرقي إلى مستوى وعود الرئيس ترامب المبكرة بتغيير النظام والاستسلام غير المشروط
وأضاف أن هناك الكثير من الأسئلة أكثر من الإجابات، فلم يتم التفاوض بعد على تفاصيل الحد من البرنامج النووي الإيراني وسيعاد فتح مضيق هرمز، ولكن ربما بشكل مؤقت فقط. ويبدو أن الاتفاق ينطبق على لبنان، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل أو حزب الله سيلتزمان به.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة للكاتب، هو بقاء نظام متشدد في السلطة في طهران، قادر على تهديد جيرانه العرب وإسرائيل.
ويقول إن المفاوضين الرئيسيين كانا كوشنر وويتكوف، صهر الرئيس وصديقه المقرب على التوالي. وهما ليسا دبلوماسيين بل مستثمرين. مما أضفى كما يقول على هذه المفاوضات طابعا فريدا قائما على المخاطرة والمكافأة. وكانت أشبه بعرض استثماري منها إلى مهمة دبلوماسية. والفكرة السائدة هي “الدفع مقابل المشاركة”، بدلا من “الالتزام بالشروط”.
ويضيف أن كوشنر أخبر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباب بصراحة، عندما التقاه في إسلام أباد في نيسان/أبريل: “انظر، إذا كنت تريد سعر رولز رويس، فنحن بحاجة إلى منتج رولز رويس”، وذلك حسب مسؤول مطلع على المفاوضات. وبعبارة أخرى، إذا أوفت إيران بالتزاماتها، كالحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا وأوقفت تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاما وامتنعت عن تصدير الثورة، فإنها ستجني مئات المليارات من الدولارات.
ويتمثل المقترح الأمريكي، في جوهره، في إعادة تمويل إيران من خلال خطة بقيمة 300 مليار دولار للاستثمار الخاص في تحديث البلاد. وأوضح المسؤول أن كوشنر أخبر الإيرانيين، على سبيل المثال، أن شركة النفط والغاز الحكومية الإيرانية قد تكون أكبر من شركة أرامكو السعودية، ولكن بشرط أن توقف إيران أنشطتها الثورية. فبدون الاستقرار وسيادة القانون، ستبقى إيران ضعيفة إلا أنها ستشهد بهذه التغييرات ازدهارا اقتصاديا بعد الحرب.
ولكن الكاتب يشكك في إمكانية حدوث هذا لأن قادة إيران هم من أشد المتشددين. لقد نجوا من قصف إسرائيلي ومحاولات اغتيال. وكثير منهم متدينون يشكون بالغرب وقيمه، وطباعهم أقرب إلى كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، منها إلى رجال أعمال إيرانيين مهاجرين مثل دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة أوبر، وهم مهتمون بالانتقام، لا بالاستحواذ المدعوم بالديون.
لكن كوشنر وويتكوف عملا من خلال وسيط استثنائي، علي الذوادي، وزير الشؤون الاستراتيجية في مكتب محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس وزراء قطر الذي يحظى باحترام واسع.
وقد جلب الذوادي معه فهماً نادراً للشرق الأوسط وثقافته. وقد سافر إلى طهران، بحسب إحصاء، أربع مرات خلال الأيام العشرة الماضية لترسيخ إطار السلام.
يتمثل المقترح الأمريكي، في جوهره، في إعادة تمويل إيران من خلال خطة بقيمة 300 مليار دولار للاستثمار الخاص في تحديث البلاد
وعلى الرغم من أنه غير معروف تقريبا للعامة، كان الذوادي مبعوثا رئيسيا في محادثات السلام في غزة وفي فنزويلا وفي ستة مشاريع أخرى تقريبا من مشاريع إدارة ترامب. كما عمل على جهود الوساطة مع إدارة بايدن.
وأوضح مصدر مقرب من فريق الوساطة: “الرسالة الأساسية التي يجب أن نضعها نصب أعيننا هي أن لدينا دولة معزولة عن العالم منذ 47 عاما، وأفرادا لا يتواصلون مع أي جهة خارج دائرتهم الضيقة. علينا أن نظهر لهم أن العالم أوسع بكثير، وأن بإمكانهم أن يجدوا مكانا لهم فيه”.
وأضاف أن الأمريكيين يتصورون إيران ديكتاتورية دينية حيث قرارات المرشد الأعلى حاسمة، إلا أن سكان المنطقة يعرفون إيران كدولة مؤسسات ذات بيروقراطية معقدة وبطيئة للغاية، وحتى الحرس الثوري الإسلامي الحاكم متعدد المستويات، بفصائله وشخصياته المتنافسة.
وبفضل معرفة الثقافة، تمكن مبعوثون من قطر، وكذلك من السعودية والإمارات، من المناورة بفعالية.
وقال إغناطيوس إن الأمريكيين مثل ترامب، كانوا يريدون نتائج سريعة، لكن الذاودي تمكن من إبطاء العملية. ويوضح مصدر مقرب من فريق الوساطة: “الصبر متأصل في الشخصية الفارسية، عليك التحلي بالصبر معهم لأنه سلاحهم السري. فهم قادرون على محاصرتك بسبب الإحباط، ثم استنزافك واستغلالك لأقصى حد”.
وقد استمرت جلسة المفاوضات الأخيرة للذاودي، التي عقدت يوم الأحد في طهران، 17 ساعة. وبالنسبة لكوشنر وويتكوف، بدأت هذه المفاوضات قبل أشهر عديدة. وكادوا أن يتوصلوا إلى اتفاق في 26 شباط/فبراير خلال اجتماعهم مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حيث عرضت إيران اتفاقا إطاريا، لكن الأمر كان كما لو “كانت هناك ثماني ثقوب في الشبكة، وعرضوا ترقيع خمسة منها”، كما يتذكر المسؤول المقرب من المفاوضات. وحذر الجانب الأمريكي من أن المفاوضات قد “تفشل بسبب ضيق الوقت”. وبعد يومين، شنت إسرائيل الحرب، وانضمت إليها الولايات المتحدة.
ومع اندلاع الحرب، كانت إيران تكثف إنتاجها الصاروخي، حيث كانت تصنع ما يصل إلى 100 صاروخا في الشهر و”تتحرك بسرعة لإعادة بناء” ما دمر في حملة “مطرقة منتصف الليل” في حزيران/يونيو 2025، وفقا لما ذكره المسؤول. وقد أدت الحرب إلى تقارب أعضاء النظام. ولكن بعد اتفاق وقف إطلاق النار في إسلام آباد، بدأت تظهر انقسامات بين القادة الإيرانيين الذين أرادوا التفاوض على اتفاق نهائي، وأولئك الذين أرادوا الاستمرار في المسار الثوري.
وأبهر قاليباف الجانب الأمريكي خلال مفاوضات إسلام آباد التي استمرت 21 ساعة، مظهرا أنه شريك معقول. إلا أنه تعرّض لهجوم من قبل مسلحين عند عودته إلى طهران وتم تهميشه لفترة. ووصف المسؤول المطلع على المفاوضات الصراع على القيادة بعد إسلام آباد بأنه “مُشكلة غير متوقعة”.
ويوضح المسؤول: “لقد خلقنا نوعا ما هذا الوضع الذي يؤدي إلى توتر داخلي”. ويبدو أن قاليباف وحلفاءه يسيطرون على زمام الأمور الآن، حيث سيتوجه إلى جنيف لتوقيع الاتفاق الإطاري يوم الجمعة، ومن المرجح أن يستمر التنافس داخل النظام.
التحدي الأكبر يكمن في تحويل مسار إيران من الثورة إلى دولة حديثة مسؤولة، بعد فشل تغيير النظام
فيما يتعلق بمسألة مضيق هرمز الحاسمة، استذكر المسؤول الأمريكي تصريحا نسب إلى علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني آنذاك، الذي اغتيل في قصف إسرائيلي مطلع الحرب، حيث قال: “إن إغلاق المضيق ورقة لا يمكن استخدامها إلا مرة واحدة”، وذلك بسبب ردة فعل الغرب. وأكد المسؤول صحة هذا التقييم. فالتغييرات التي طرأت بعد الحرب ستتيح دفاعا أفضل عن المضيق، ومسارات بديلة لتصدير النفط عبر خطوط أنابيب برية، بدلا من ناقلات النفط في البحر.
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن أحد التطورات التي لم تحظ باهتمام كبير في الأسابيع الأخيرة، تمثلت في استمرار هادئ لخطة مرافقة ناقلات النفط المعروفة باسم “مشروع الحرية”، والتي تم تعليقه رسميا في أيار/مايو بعد اعتراضات سعودية. وأوضح أن نسخة محدودة منها استمرت في السماح بتصدير 7 ملايين برميل من النفط يوميا عبر الخليج.
ويقول إغناطيوس إن المفاوضين الأمريكيين يأملون في أن تغتنم إيران فرصة الاستثمار في اقتصادها وتحديث البلاد بعد اتفاق السلام، لكنهم يدركون أن الأمر ينطوي على مخاطرة، وفقا لمصدر مطلع على المحادثات. وقال المسؤول: “أعتقد أن الوقت كفيل بإثبات ما إذا كانوا قادرين على إدارة شؤونهم السياسية وتحقيق ذلك، وسنعرف ذلك خلال الشهرين المقبلين ونحن نسعى إلى الخيار الأكثر تحولا على الإطلاق”.
ويقول الكاتب إن هناك أسئلة حول إمكانية التحول، وذلك في ضوء خبرته ومتابعته وتغطيته للكثير من المحاولات الفاشلة في الشرق الأوسط.
وفي النهاية، فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل مسار إيران من الثورة إلى دولة حديثة مسؤولة، وبالنظر إلى فشل تغيير النظام، فلا يرى الكاتب مسارا أفضل مما يقترحه ترامب وفريقه.
ولكن المسؤول الذي كان في قلب المفاوضات مع إيران، قال إن أهم درس تعلمه كمفاوض: “أهم درسٍ تعلمته، هو أنه من السهل جدا إشعال حرب، ومن الصعب جدا الخروج منها”، وهو رأي يشترك فيه الكثيرون بغض النظر عن الموقف من ترامب وخطته.