نواكشوط –«القدس العربي»: من جديد وفي مشهد سياسي نادر امتد لأكثر من تسع ساعات متواصلة داخل القصر الرئاسي، جلس الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني وجهاً لوجه مع أبرز قادة المعارضة، في لقاء بدا أقرب إلى جلسة مصارحة سياسية مفتوحة منه إلى اجتماع بروتوكولي عابر.
فعلى مدى عشر ساعات متتالية، ناقش نحو عشرين شخصية سياسية مع الرئيس الغزواني ملفات تتراوح بين أسباب تعثر الحوار الوطني وغلاء المعيشة وأسعار المحروقات، وصولاً إلى الحريات العامة وقانون الرموز ومحاربة الفساد وتداعيات الأزمة الأمنية في مالي وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وحمل اللقاء الذي يأتي في ظرف سياسي حساس، رسائل متبادلة بين السلطة والمعارضة، وكشف في الوقت ذاته حجم التباعد القائم بشأن تشخيص الأزمات الوطنية، رغم اتفاق الجميع على ضرورة استمرار مسار الحوار.
وحرص الرئيس محمد ولد الغزواني خلال الاجتماع على تقديم عرض مطول حول مختلف أوجه سياسات حكومته الاقتصادية والاجتماعية، مستنداً إلى الأرقام والمعطيات الرسمية في محاولة لإقناع خصومه السياسيين بأن الصورة التي يرسمونها عن أوضاع البلاد لا تعكس الواقع كاملاً.
وأكد الرئيس أن الهدف من اللقاء يتمثل في التشاور حول القضايا الوطنية الكبرى وإطلاع المعارضة على ما وصفها بالحقائق والمعطيات الضرورية لتقييم السياسات العمومية بصورة موضوعية.
كما دافع عن أداء حكومته في مواجهة تداعيات الأزمات الدولية، معتبراً أن الاضطرابات الاقتصادية العالمية ألقت بظلالها على جميع الدول النامية، ومنها موريتانيا، لكنه شدد على أن الإجراءات الحكومية المتخذة خففت من آثار ارتفاع أسعار النفط والمواد الأساسية على المواطنين.
وفيما يتعلق بملف الحوار الوطني، حاول ولد الغزواني تقديم نفسه كضامن للعملية السياسية لا كطرف فيها، مؤكداً أنه لن يطلب من الموالاة ولا من المعارضة حذف أي بند أو إضافة أي مضمون إلى وثيقة الحوار، كما تعهد شخصياً بتنفيذ ما يتفق عليه الطرفان. غير أن الرئيس لم يتردد في تحميل الطرفين مسؤولية تأخر انطلاق الحوار، معتبراً أن الخلافات القائمة بين الموالاة والمعارضة تدور حول قضايا غير جوهرية ولا تستدعي كل هذا التعطيل.
في المقابل، استغل قادة المعارضة اللقاء لعرض جملة من الانتقادات المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية.
فقد طُرحت خلال الاجتماع ملفات ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية، وتراجع القدرة الشرائية، وتعثر مسار مكافحة الفساد، فضلاً عما تعتبره المعارضة تراجعاً في مجال الحريات العامة.
كما أثار بعض قادة المعارضة الجدل الدائر حول قانون الرموز، مطالبين بمراجعته، وهو ما رد عليه الرئيس بالقول إنه قد لا يكون معارضاً لمبدأ تعديل القانون، لكن تطبيقه يبقى واجباً ما دام نافذاً ومعمولاً به.
وتناول النقاش كذلك ملف توقيف النائبتين مريم منت الشيخ وقامو عاشور، حيث أوضح الرئيس أنه استفسر وزير العدل حول القضية، وأن الأخير أكد له أن إجراءات التوقيف تمت وفق المساطر القانونية وفي حالة تلبس.
ورغم تأكيد الرئيس أن الخلافات بين أطراف الحوار ليست جوهرية، فإن مسار التحضير للحوار الوطني يكشف عن أزمة أعمق تتجاوز الجوانب الإجرائية.
فالحوار الذي أعلن عنه منذ أشهر لا يزال يراوح مكانه بسبب خلافات حول المرجعية والضمانات وآليات اتخاذ القرار وطبيعة القضايا المطروحة للنقاش.
وترى أطراف من المعارضة أن نجاح أي حوار يتطلب أولاً بناء مناخ ثقة حقيقي ومعالجة ملفات تعتبرها أساسية، بينما تفضل السلطة المضي نحو إطلاق الحوار باعتباره الإطار الأنسب لمعالجة تلك الملفات.
وقد أدت هذه الفجوة في التصورات إلى تحويل الحوار من وسيلة لحل الخلافات إلى أحد أبرز عناوين الخلاف نفسه.
ويأتي اللقاء في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل أوساط المعارضة من أن يتحول الحوار المرتقب إلى بوابة سياسية لفتح النقاش حول تعديل الدستور وتمكين الرئيس من مأمورية ثالثة.
وجدد رئيس حزب اتحاد قوى التغيير المختار ولد الشيخ، رفضه القاطع لأي مسعى من هذا النوع، مؤكداً خلال تجمع جماهيري بنواذيبو، العاصمة الاقتصادية، أن الحوار لن يكون مقبولاً إذا ارتبط بتمرير مأمورية جديدة للرئيس.
واتهم ولد الشيخ السلطة باستخدام الحوار كغطاء سياسي لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية، كما انتقد ما وصفه بـ «الإنجازات الورقية» التي لا تنعكس على حياة المواطنين اليومية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل تجارب شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت بعض الحوارات السياسية إلى مداخل لتعديلات دستورية أثارت جدلاً واسعاً.
وفي انتظار تقييمات المعارضة لهذا اللقاء، يمكننا التأكيد أن ما خرج به اللقاء لا يتمثل في اتفاقات سياسية ملموسة بقدر ما يتمثل في محاولة متبادلة لخفض منسوب التوتر.
فقد قدم الرئيس نفسه ضامناً للحوار ومتعهداً بعدم التدخل في مضمونه، بينما تمسكت المعارضة بمواقفها الناقدة وأعادت طرح مخاوفها بشأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية ومستقبل التداول على السلطة.
لكن الحقيقة التي كشفها الاجتماع الطويل هي أن الأزمة الأساسية لم تعد تتعلق بنقاط الخلاف المدرجة على جدول أعمال الحوار، بل بمستوى الثقة بين أطرافه.
ولهذا يبدو أن نجاح الحوار الوطني لن يتوقف على عدد المشاركين فيه أو طول جلساته، وإنما على قدرة السلطة والمعارضة على إقناع بعضهما بعضاً بأن الحوار ليس مجرد وسيلة لإدارة الخلاف، بل فرصة حقيقية لإنتاج توافقات قابلة للتنفيذ في بلد يستعد لاستحقاقات سياسية واقتصادية كبرى خلال السنوات المقبلة.
ولم يكن لقاء الرئيس مع المعارضة حدثاً معزولاً، بل جاء بعد أقل من أسبوع على اجتماع مماثل عقده ولد الغزواني مع قادة أحزاب الأغلبية الداعمة له، في إطار سلسلة مشاورات سياسية أراد من خلالها شرح خلفيات الدعوة إلى الحوار الوطني وتداعيات التطورات الاقتصادية والإقليمية الراهنة.
وخلال ذلك اللقاء، دافع الرئيس عن خيار الحوار مؤكداً أنه لا يستجيب لضغوط سياسية أو لموازين قوى انتخابية، بل تفرضه الحاجة إلى معالجة اختلالات بنيوية في الحكامة وتطوير المؤسسات الوطنية ومواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة. كما استعرض أمام حلفائه الإجراءات الحكومية المتخذة للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية وحماية الفئات الهشة.
وتكشف المقارنة بين اللقاءين أن الرئيس سعى إلى توجيه رسالتين متوازيتين: الأولى إلى معسكره السياسي لتأكيد تمسكه بالحوار رغم امتلاكه أغلبية مريحة لا تفرض عليه، من الناحية الحسابية، تقديم تنازلات سياسية كبيرة، والأخرى إلى المعارضة لتبديد المخاوف المتعلقة بمضامين الحوار وضماناته.
غير أن هذه المقاربة اصطدمت باستمرار أزمة الثقة بين مختلف الأطراف، وهي الأزمة التي تبدو اليوم أكبر عائق أمام انطلاق الحوار الفعلي.
كما أن اللقاءين المتتاليين يعكسان انتقال الرئاسة من مرحلة إدارة الخلافات عبر الوسطاء ومنسق الحوار إلى مرحلة الانخراط المباشر للرئيس نفسه في محاولة فك العقد السياسية التي عطلت المسار منذ أشهر.
ويأتي ذلك بعد تعثر الجلسات التمهيدية للحوار بسبب الخلاف حول إدراج ملف المأموريات الرئاسية ضمن جدول الأعمال، وهو الخلاف الذي أدى عملياً إلى تجميد المسار رغم التوافق الواسع على معظم الملفات الأخرى.
ولذلك، ينظر مراقبون إلى اجتماع القصر الذي ما تزال أصداؤه تملأ الساحة، بأنه محاولة لإعادة بناء الثقة أكثر منه اجتماعاً للتوصل إلى اتفاقات فورية، خصوصاً أن الجدل حول المأموريات والحريات العامة والقدرة الشرائية للمواطنين ما زال يلقي بظلاله على المشهد السياسي، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.