عاموس هرئيل
بعد هدوء استمر شهرين، تم استئناف الحرب بين إيران وإسرائيل أمس، بإطلاق صواريخ بالستية على شمال إسرائيل. نفذت إيران تهديدها وشنت وابلاً من الصواريخ رداً على قصف إسرائيل لمقر حزب الله في الضاحية، الحي الشيعي الواقع جنوبي بيروت. وفي محاولة لوقف التصعيد، دعا ترامب لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات. وفي حديث مع مراسل القناة 12، براك ربيد، قال إنه يعمل على منع رد إسرائيل في إيران. ولكن تبين صباح اليوم أن الجهود فشلت، فشنت إسرائيل هجوماً على إيران. وقد أطلق صاروخ باليستي من اليمن باتجاه إسرائيل وتم اعتراضه.
امتنعت إسرائيل وإيران عن شن هجمات متبادلة منذ بداية نيسان الماضي، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار. ولكن نتنياهو سعى باستمرار إلى استئناف الحرب، وشكك في فائدة الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لكبح المشروع النووي الإيراني وتلبية تطلعات إسرائيل من هذا الاتفاق.
إطلاق الصواريخ من إيران جاء نتيجة لتصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. بعد ظهر أمس، بعد انتظار قسري استمر أسبوعاً، نفذت إسرائيل تهديدها بمهاجمة الضاحية. ولكن سلاح الجو اكتفى بمهاجمة عدد من شقق حزب الله ومقراته، في منطقة غادرها معظم أعضاء الحزب كما يبدو. وأعلنت جهات لبنانية قتل شخصين وإصابة 11 شخصاً في هذا الهجوم.
في الفترة الأخيرة، في ظل تصاعد إطلاق الصواريخ وإطلاق حزب الله للمسيرات، هددت إسرائيلي بتوسيع جبهة القتال لتصل إلى بيروت. في بداية الأسبوع الماضي، منع الرئيس الأمريكي، نتنياهو من مهاجمة الضاحية في محادثة سميت بـ “محادثة الشتائم”. مع ذلك، يبدو أن حزب الله قد صعد من نشاطاته أمس. ففي الأسبوع الماضي، قتل خمسة ضباط وجنود من الجيش الإسرائيلي في لبنان (أربعة في مواجهات مع حزب الله وواحد نتيجة حادث ميداني) وأصيب العشرات.
صباح أمس، أطلقت الصواريخ على مستوطنات على الحدود الشمالية. وأصدر نتنياهو ووزير الدفاع كاتس بياناً وجها فيه تعليمات للجيش بمهاجمة الضاحية. ورغم أن الهجوم كان محدوداً نسبياً، لكنه اكتسب دلالة رمزية على خلفية الحظر السابق للهجمات الذي أعلنه ترامب. ربما تكون هذه الخطوة قد نسقت مسبقاً بين القدس وواشنطن. في العادة، يحاول نتنياهو عدم المبالغة في التوتر مع ترامب.
قد يعكس التصعيد الإيراني ثقة متزايدة لدى لقيادة طهران بإمكانية الضغط على ترامب للتنازل في المفاوضات، مع استفزاز إسرائيل بشكل متعمد. وفي هذا السياق، بدأ التوتر يزداد بين الولايات المتحدة وإسرائيل. لم يكتف ترامب علناً بالبحث عن مخرج من الحرب مع إيران، بل هناك مسؤولون كبار في إدارته يسعون بجهد لإبعاد الرئيس وفريقه عن الفشل المسجل في مساعي تغيير النظام في طهران. ويبدو أن هذا هو الدافع وراء سلسلة منشورات في وسائل الإعلام الأمريكية الموجهة ضد إسرائيل، وآخرها تقرير نشر مؤخراً في “نيويورك تايمز” يقول بأن إسرائيل تجسست على أمريكا لكشف تفاصيل سرية حول المفاوضات الجارية مع إيران.
أما عن المفاوضات نفسها، فحسب تقرير مفصل في “وول ستريت جورنال” فإن العقبة الأبرز أمام التوصل إلى اتفاق تتمحور حول طلب إيران الإفراج الفوري عن عشرات مليارات الدولارات المجمدة في بنوك الخارج بسبب العقوبات الأمريكية. ويبدو أن هذا التنازل صعب جداً لترامب، لا سيما بعد أن انتقد الرئيس أوباما بشدة عندما سمح الأخير بالإفراج عن الأموال بطريقة مشابهة في العام 2016، عقب الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه قبل بضعة أشهر.
الآن مع استئناف تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، قد يتم جر الولايات المتحدة من جديد إلى الصراع، خلافاً لموقف الرئيس العلني في الأسابيع الأخيرة. ويتعين على ترامب مراعاة عامل آخر، وهو بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستنطلق الخميس المقبل، والولايات المتحدة من الدول المستضيفة لها. فتصعيد التوتر في الخليج سيحرف أنظار العالم عن هذا الحدث الذي يعطيه الرئيس أهمية كبيرة.
أما عن لبنان فيجب الاعتراف بأن تحركات إسرائيل هناك لا تحقق النتائج المطلوبة. فرغم شدة القصف لمواقع حزب الله ومستودعات سلاحه في جنوب لبنان، فالجيش الإسرائيلي لم يحقق أهدافه حتى الآن ضد الحزب. ويواصل حزب الله استخدام الطائرات المسيرة المفخخة بشكل ناجع، التي تلحق خسائر إسرائيلية بالأرواح بشكل منتظم. وقد كشف الجيش الإسرائيلي أمس، عقب تسريبات من القيادة السياسية، بأن السيطرة على قلعة الشقيف شملت استهداف شبكة من مخابئ حزب الله ومقراته في المنطقة. وهذا يفسر العملية هناك، إضافة إلى الرمزية التاريخية والميزة التكتيكية التي توفرها السيطرة على القلعة، المقابلة لهضبة النبطية القريبة. ولكنها ليست خطوة استراتيجية، وإن محاولة استغلال كشف المخابئ بحد ذاتها لا تظهر إلا الصعوبات التي واجهتها العملية الإسرائيلية في لبنان.
تصعيد متعمد
في هجوم غير مألوف في الفترة الأخيرة، قتل جندي في الاحتياط وأصيب خمسة مدنيين بنيران إرهابي عربي إسرائيلي على خط التماس في “الشارون”. لقد شن الإرهابي (21 سنة) وهو م سكان الطيبة، هجوماً عشوائياً بين أربع نقاط تفتيش مختلفة في منطقة “كوخاف يئير” و”تسور يغئال”، إلى أن قتله الشرطة. للإرهابي سجل جنائي، لكن لا خلفية إرهابية واضحة له. من المرجح أنه كان ذئباً منفرداً، لا يعمل في إطار تنظيم إرهابي منظم.
وقد عزز الجيش الإسرائيلي حجم القوات في الضفة الغربية ومنطقة التماس في الفترة الأخيرة. ثمة قلق متزايد الآن بشأن محاولات محاكاة الهجمات عقب نجاح الإرهابي، وكذلك بشأن تصاعد التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين على خلفية المذابح التي نفذها إرهابيون يهود في “السامرة” [شمالي الضفة الغربية]، وكان آخرها في قرية حوارة يوم السبت. وقد سارع وزير الأمن الداخلي بن غفير، إلى الإعلان بأنه لو تم اعتقال الإرهابي على قيد الحياة لأعدمناه وفقاً للقانون الذي أقره الائتلاف الحاكم مؤخراً بناء على طلبه. لكن هذا ليس نهاية المطاف؛ فكلما اشتدت حدة التوتر في الانتخابات، استغل اليمين أي عمل إرهابي ينفذه عربي إسرائيلي لتصعيد الموقف بشكل متعمد ضد الجمهور العربي. وسيكون هناك من يسعى إلى تأجيج هذا الصراع في الطرفين.
هآرتس 8/6/2026