طرابلس – «القدس العربي»: تتجه الأنظار إلى مخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في وقت برزت فيه خلافات داخلية بشأن التقرير النهائي لمسار الحوكمة، بعدما أعلن عدد من المشاركين تحفظهم على الصياغة النهائية، معتبرين أنها لم تعكس جميع الآراء والمقترحات التي نوقشت خلال الأشهر الماضية.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الجهود الأممية الرامية إلى بلورة رؤية توافقية تساعد على تجاوز حالة الانسداد السياسي والدستوري التي تعيشها البلاد، وسط تباين في المواقف بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وآليات الوصول إلى الانتخابات.
وتشكل جلسات الحوار المهيكل التي أطلقتها البعثة الأممية أحد المسارات التي تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف المكونات الليبية، وذلك بعد سنوات من تعثر المبادرات السياسية وعدم نجاح المؤسسات القائمة في التوصل إلى توافقات تفضي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وخلال الأشهر الماضية، عقدت اجتماعات متتالية لمسارات الحوار المختلفة في طرابلس وبنغازي، وركز مسار الحوكمة بشكل خاص على قضايا تنظيم السلطة التنفيذية والإطار الدستوري والاستحقاق الانتخابي، إضافة إلى ملفات الحكم المحلي واللامركزية.
وقبل ساعات من انعقاد الجلسة الختامية للحوار، أعلن ستة من المشاركين في مسار الحوكمة تحفظهم على التقرير النهائي، مؤكدين أن الصياغة النهائية لم تتضمن جميع المقترحات التي جرى تداولها خلال جلسات النقاش، ولم تعكس تنوع الرؤى المطروحة بشأن معالجة الأزمة السياسية والدستورية.
قبل ساعات من الجلسة الختامية للحوار
وشملت مذكرة التحفظ الموقعة من عدد من أعضاء المسار الإشارة إلى أن بعض المشاركين طرحوا فكرة عقد مؤتمر تأسيسي باعتباره أحد الخيارات الممكنة لمعالجة الإشكاليات الدستورية والتشريعية، إلا أن هذا المقترح لم يدرج ضمن التقرير النهائي رغم مناقشته خلال الاجتماعات.
كما تضمنت النقاشات، بحسب المذكرة، مواقف رافضة لإعطاء أي جهة دولية دورا تشريعيا أو دستوريا في الشأن الليبي، مع التأكيد على أن معالجة الملفات الدستورية والتشريعية يجب أن تتم عبر آليات تستند إلى الإرادة الليبية، وهو ما رأى أصحاب التحفظات أنه لم ينعكس بصورة واضحة في المخرجات النهائية. وتأتي هذه الاعتراضات في سياق أوسع من الجدل المستمر حول طبيعة الدور الأممي وحدود التدخل الدولي في إدارة العملية السياسية، وهي مسألة ظلت حاضرة في معظم المبادرات التي شهدتها ليبيا منذ توقيع الاتفاق السياسي عام 2015، حيث برزت باستمرار مطالب تدعو إلى منح الليبيين دورا أكبر في صياغة الحلول السياسية بعيدا عن الضغوط الخارجية.
وشهدت السنوات الماضية عدة محاولات للتوصل إلى قاعدة دستورية توافقية تقود إلى الانتخابات، إلا أن الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، إضافة إلى التباينات بين القوى السياسية المختلفة، حالت دون تحقيق تقدم ملموس، ما أدى إلى استمرار المراحل الانتقالية وتعثر المسار الانتخابي.
وفي هذا السياق، قالت عضو مسار الحوكمة هالة أبوقعيقيص إن بعض التوجهات داخل النقاشات دعت إلى الاحتكام إلى الاستفتاء الشعبي في حال استمرار تعثر مجلسي النواب والدولة، فيما رأى آخرون أن تجاوز حالة الجمود يتطلب إنشاء مجلس تأسيسي ليبي يضطلع بمهمة معالجة الملفات الدستورية والتشريعية ووضع أسس بناء الدولة.
وانتقدت أبوقعيقيص طريقة تشكيل لجنة صياغة التقرير، معتبرة أن غياب الخبراء والمتخصصين في القانون وفض النزاعات أثر في جودة المخرجات، كما اتهمت البعثة الأممية بالسعي إلى إظهار صورة توحي بوجود توافق شامل رغم استمرار التباينات بين المشاركين.
وأشارت إلى أن مسار الحوكمة ابتعد عن أهدافه الأساسية بعد انتقال النقاش إلى قضايا تتعلق بخريطة الطريق والقوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبرة أن ذلك أعاد النقاش إلى مقاربات مشابهة للتجارب السياسية السابقة التي ركزت على ترتيبات السلطة أكثر من معالجة الأسباب البنيوية للأزمة.
في المقابل، رفض عدد من أعضاء الحوار الانتقادات الموجهة إلى التقرير النهائي، مؤكدين أن المخرجات تمثل حصيلة نقاشات استمرت ستة أشهر، وأنها تعكس رؤية وطنية تستهدف بناء خارطة طريق متكاملة تربط بين توحيد السلطة التنفيذية وضبط المسار الدستوري والانتخابي وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وأكد عضو الحوار المهيكل أسعد زهيو أن التقرير النهائي أعد وفق أعلى درجات الموضوعية والأمانة، موضحا أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي في الحوارات الوطنية، وأن اعتماد مقترحات الأغلبية يمثل ممارسة ديمقراطية معتادة.
وبحسب ما كشفه زهيو، فإن التقرير يتضمن مقترحات تتعلق بإنشاء سلطة تنفيذية جديدة وموحدة ضمن إطار زمني محدد، مع فرض قيود على الاتفاقيات السيادية طويلة الأمد، بما يضمن تركيز جهود السلطة الجديدة على تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات.
كما يشمل التقرير وضع خطة أمنية موحدة لتأمين مراكز الاقتراع والحد من استخدام السلاح والمال العام في الصراع السياسي، إلى جانب اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تسمح بإجراء الانتخابات وتأجيل ملف الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة تكون فيها المؤسسات المنتخبة أكثر استقرارا.
وتندرج هذه النقاشات ضمن الجهود الدولية والمحلية المستمرة لإنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، في ظل دعوات متكررة من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للإسراع في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تتيح إجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على مؤسسات موحدة وقواعد دستورية مستقرة.
ومع اقتراب إعلان التوصيات النهائية للحوار المهيكل، تبدو التحديات المرتبطة بتحقيق توافق واسع بين مختلف الأطراف السياسية قائمة، في وقت يرى فيه مراقبون أن نجاح أي خارطة طريق جديدة سيظل مرهونا بمدى قبولها من مختلف الفاعلين السياسيين، وقدرتها على معالجة جذور الأزمة، وتوفير الضمانات اللازمة للوصول إلى انتخابات تحظى بقبول واسع وتنهي حالة الانقسام المستمرة في البلاد.