الجزائر: بعد أن توج بعدة ألقاب في أوروبا وآسيا على مستوى الأندية، وحقق المجد القاري مع منتخب الجزائر في أفريقيا، يضع رياض محرز الآن نصب عينيه ترسيخ إرثه العالمي في كأس العالم 2026 بأمريكا الشمالية، فهل يستطيع هذا اللاعب الذي اعتاد على الفوز أن يقود (محاربو الصحراء) إلى إنجاز جديد؟
وبعد أن غادر نادي طفولته (سارسيل)، الواقع في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، لخوض تجربة جديدة لمدة موسم واحد مع نادي كويمبير في الدرجات الدنيا، قام محرز بالتوقيع على أول عقد احترافي له مع فريق لوهافر عام 2011.
وبعد أن صعد من الدرجة الرابعة إلى الثانية في كرة القدم الفرنسية، خاض محرز مغامرة جديدة في يناير/كانون الثاني 2014 بالانضمام إلى ليستر سيتي الإنكليزي في دوري الدرجة الأولى.
وبفضل مهاراته الفنية وذكائه الكروي، لعب صانع الألعاب الموهوب دورا محوريا في تتويج الفريق الملقب بـ”الثعالب” بلقب دوري الدرجة الأولى الإنكليزي (تشامبيون شيب)، وهو ما لفت أنظار مدرب المنتخب الجزائري في ذلك الوقت، وحيد خليلوزيتش.
وفي ظهوره الدولي الأول، الذي جاء خلال الفوز 3 / 1 على أرمينيا في مايو/أيار 2014، قدم محرز تمريرتين حاسمتين، ليبهر الجميع ويضمن مكانه ضمن قائمة الجزائر المشاركة في كأس العالم 2014 بالبرازيل.
وبعد ظهوره الأول الناجح على الساحة العالمية، واصل محرز تألقه مع ناديه، مساهما في 27 هدفا (17 هدفا و10 تمريرات حاسمة) خلال 37 مباراة، ليقود ليستر سيتي لإنجاز تاريخي بالتتويج بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز عام 2016.
وبعد عامين، انتقل محرز إلى مانشستر سيتي في صفقة ضخمة، حيث عاش خمسة مواسم مميزة هناك، حصد خلالها أربعة ألقاب دوري، وثلاثة ألقاب في كأس الرابطة، ولقبين في كأس الاتحاد الإنكليزي، إلى جانب تحقيق أول لقب دوري أبطال أوروبا في تاريخ النادي، فضلا عن التتويج بما يعرف الآن بكأس القارات للأندية عام 2023.
ومع مرور الوقت، تحول محرز إلى أحد أبرز رموز منتخب الجزائر، حيث قاده للتتويج بكأس الأمم الأفريقية عام 2019 في مصر، وبعد الغياب عن نسختي 2018 و2022 من كأس العالم، عاد ليقود بلاده مجددا إلى النهائيات في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
ويخوض محرز حاليا تجربته مع الأِهلي السعودي حيث يعد من أبرز نجوم دوري المحترفين هناك (دوري روشن)، مضيفا إلى إنجازاته لقبين قاريين جديدين مع الأندية من خلال التتويج بدوري أبطال آسيا للنخبة موسمي 2024 / 2025، و2005 / 2026.
وخلال مسيرته الكروية، نال محرز العديد من الإشادات من أساطير الساحرة المستديرة، حيث تحدث عنه الإسباني جوسيب غوارديولا، مدربه السابق في مانشستر سيتي، وقال: “إنه لاعب استثنائي على أعلى المستويات، ويملك عقلية تسجيل الأهداف. أنا راض تماما عن رياض لأنه يعشق كرة القدم. لقد قدم الكثير خلال هذه السنوات وسيقدم المزيد في المستقبل”.
أما غاري لينيكر، مهاجم ليستر سيتي ومنتخب إنكلترا السابق، فقال: “يمكنني مشاهدة محرز يلعب طوال الليل. إحساسه بالكرة راق بشكل لا يصدق. إنه يشعر بالكرة ومن المستحيل معرفة الاتجاه الذي سيذهب إليه. إنه كابوس حقيقي للمدافعين”.
أما البوسني وحيد خليلوزيتش، مدرب الجزائر في مونديال 2014، فقال: “إنه موهوب جدا من الناحية الفنية، لا يكاد يفقد الكرة أبدا، يمكنه المراوغة، والاحتفاظ بها تحت ضغط لاعبين أو ثلاثة، وتجاوز الخصوم، وتمرير الكرات، وصناعة الأهداف. إنه يتمتع بجودة فنية استثنائية للغاية”.
في المقابل، تحدث زين الدين زيدان، أسطورة منتخب فرنسا وقدوة محرز، قائلا: “إنه لاعب موهوب يقدم شيئا مختلفا. إنه يتمتع بمهارة فنية عالية، وأسلوب لعب مباشر، ودائما ما يشكل الخطورة في الهجوم. كما أنه سريع جدا بالكرة”.
وعندما تلقى محرز دعوة من كويمبير عام 2009 لاختبار قدارته، لم يكن يملك المال الكافي لشراء تذكرة القطار، فاضطر لاقتراض المال من والديه مقابل وعد.
وقال محرز لصحيفة (ليكيب) الفرنسية في عام 2016: “عندما عرض علي كويمبير تجربة أداء، كان سعر تذكرة القطار 160 يورو. قلت لأمي: (لا تقلقي، سأرد لك المبلغ، سأنجح). والآن، سددت لها ديني كاملا”.
ويعتبر محرز (35 عاما)، ثاني لاعب يقود المنتخب الجزائري للتتويج القاري، مقتفيا أثر رابح ماجر الذي حقق ذلك عام 1990، وبعد أربع سنوات من إنجازه الأفريقي مع بلاده، أصبح أيضا ثاني لاعب جزائري يحرز لقب دوري أبطال أوروبا بعد ماجر.
ولم يكن محرز قد سمع بنادي ليستر سيتي من قبل حتى تواصل معه الفريق الإنكليزي. واعترف بذلك لاحقا، حيث قال: “كنت أظن أنه ناد للرغبي”.
وفي مسقط رأسه سارسيل، تم إطلاق اسمه على أحد الملاعب، الذي يضم أيضا لوحة تذكارية تحمل اسم والده الذي توفي عندما كان في سن المراهقة، وخلال حفل التدشين، قال محرز: “كان والدي يعيش مقابل هذا الملعب، وكنت أتدرب فيه كثيرا. من الصعب تصديق أن هذا المكان أصبح يحمل اسمي واسم والدي”.
ويعد محرز ثاني أكثر لاعبي المنتخب الجزائري مشاركة دوليا برصيد 112 مباراة، حسبما أفاد الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وقد يتمكن من تحطيم رقم عيسى ماندي القياسي البالغ 116 مباراة خلال البطولة العالمية المقبلة.
ويمتلك محرز 38 هدفا مع المنتخب الجزائري، مما يجعله على بعد ثمانية أهداف فقط من إسلام سليماني، الهداف التاريخي للفريق.
ولم يكتفِ الجناح الموهوب بكونه أفضل صانع ألعاب ضمن صفوف منتخب الجزائر بـ44 تمريرة حاسمة، بل يتصدر أيضا قائمة أفضل صانعي الأهداف بـ13 تمريرة حاسمة في موسمه الأول بالدوري السعودي للمحترفين، كما قدم 8 تمريرات أخرى في دوري أبطال آسيا للنخبة موسم 2024 / 2025.
ورغم أن ظهوره الدولي الأول جاء قبل أقل من أسبوعين فقط من انطلاق مونديال 2014، فإن محرز قدم ما يكفي ليس فقط لضمان مكانه في قائمة المنتخب المتجهة إلى البرازيل، بل أيضا ليبدأ أساسيًا في المباراة الافتتاحية لـ”الخضر” في البطولة أمام منتخب بلجيكا، ورغم تحركاته وخطورته على الجهة اليسرى، فإنه لم يتمكن من منع فريق (الشياطين الحمر) من تحقيق الفوز بنتيجة 2 / 1.
وشكلت تلك المباراة آخر ظهور لمحرز في نهائيات كأس العالم، إذ بقي على مقاعد البدلاء في المباراتين التاليتين بدور المجموعات، وكذلك خلال خسارة الجزائر 1 / 2 أمام ألمانيا بعد التمديد في دور الـ16.
ومنذ ذلك الحين، واصل الجناح المولود في كليشي تألقه وتطوره، في وقت كافح فيه المنتخب الجزائري من أجل العودة إلى أكبر بطولة كروية على مستوى المنتخبات.
ويقود محرز طموحات منتخب الجزائر، الذي فرض سيطرته على مجموعته في التصفيات الأفريقية المؤهلة للمونديال بثمانية انتصارات وتعادل واحد وهزيمة خلال 10 مباريات، قبل أن يواصل مشواره بوصوله إلى دور الثمانية بكأس الأمم الأفريقية الأخيرة بالمغرب.
وفي مارس/آذار الماضي، أظهر منتخب الجزائر قوته الهجومية الكاسحة، حيث سجل أمين غويري هدفين وأضاف محرز هدفا من ركلة جزاء في الفوز الكبير على غواتيمالا بنتيجة 7 / صفر.
وفي مباراة أخرى، أظهر الفريق صلابة دفاعية مميزة مكنته من فرض التعادل السلبي على منتخب أوروغواي بقيادة المدرب الأرجنتيني المخضرم مارسيلو بييلسا.
وفي ظهوره الثاني تحت الأضواء العالمية، يطمح محرز إلى قيادة كتيبة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش لتجاوز دور المجموعات، حيث تلعب الجزائر ضمن منافسات المجموعة العاشرة ضد منتخبات الأرجنتين (بطل العالم) والنمسا والأردن، مع السعي لتقديم صورة مشرفة لكرة القدم في شمال أفريقيا على أكبر مسرح كروي، مستلهما من الإنجاز التاريخي للمغرب ببلوغه قبل نهائي كأس العالم الأخير في قطر عام 2022.