لتتوقف إيران عن التعامل مع جنوب لبنان كورقة لتحسين شروط مفاوضاتها


بيروت- “القدس العربي”: يظهر الانقسام اللبناني بوضوح بين الرئاسات الثلاث في لبنان، إذ في وقت أبدى رئيس مجلس النواب نبيه بري اعتراضه على اتفاق وقف إطلاق النار “الهجين”، تولى رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اتهام إيران باستخدام الجنوب ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

ووجّه الرئيس عون لشبكة “سي أن أن” رسالة مباشرة وحازمة إلى طهران دعا فيها “الحرس الثوري الإيراني إلى إدراك أن لبنان دولة مستقلة وليست تابعة لهم”، قائلا، عقب موقف قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني: “ليست بلادكم، بل هي بلادنا، هذا واجبنا، ليس من شأنكم التدخل في شؤون بلادنا، لأن أبناء شعبنا يُقتَلون وبيوتنا تُدمّر. إنهم يستخدمون لبنان كورقة مساومة في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة، هذا غير مقبول”، وشدد على “وجوب أن يدرك حزب الله ذلك، يجب على حزب الله أن يفهم أنه لا سبيل إلا الجلوس والتفاوض، لا سبيل آخر لحل هذه المشكلة وإنقاذ ما تبقى إلا عبر المفاوضات والدبلوماسية”.

كما دعا عون أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم إلى “وجوب أن يدرك أن الشعب اللبناني ليس ملكا لحزب الله وأنه سئم الحرب بين إسرائيل وحزب الله”.

سلام: فوجئنا بالرفض الإيراني

أما الرئيس سلام فقال: “سعينا مع أشقائنا في المنطقة وأصدقائنا في العالم، لوقف الحرب وحماية لبنان وصون سيادته. فاخترنا طريق التفاوض، لأنه الخيار الأقل كلفة على لبنان وأهله، والأقصر إلى تأمين انسحاب إسرائيل وعودة الناس إلى ديارهم. وبفضل مساعي الدولة اللبنانية وجهود أشقائنا العرب، وبتفهم أمريكي، نجحنا في الوصول إلى تفاهم على وقف لإطلاق النار في لبنان، غير أن اللبنانيين فوجئوا أمس بأن يكون الحرس الثوري الإيراني أول الرافضين لذلك، قبل أي طرف آخر. وهذا تأكيد جديد على أن هذه الحرب ليست حربنا، وأنها لا تُخاض من أجلنا، بل على أرضنا وعلى حساب أهلنا”.

سلام: سعينا مع أشقائنا في المنطقة وأصدقائنا في العالم، لوقف الحرب وحماية لبنان وصون سيادته. فاخترنا طريق التفاوض، لأنه الخيار الأقل كلفة على لبنان وأهله

وأضاف رئيس الحكومة خلال إطلاقه النداء الإنساني العاجل الثاني، بحضور وزراء وسفراء ودبلوماسيين ومنظمات دولية: “هكذا، يدفع الجنوب وأهله، مرة أخرى، ثمن قرار لم يتخذوه، وحرب ليست حربهم. وإن كان لي أن أتوجه إلى إيران بكلمة فهي أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل معه ومع أهله كمجرد ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها. فنحن أصحاب وطن يأبى أن يتحول إلى صندوق بريد لرسائل الآخرين، أو ميدان مفتوح لحروبهم. لبنان ليس ورقة على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهة احتياطية لأحد”.

نداء إنساني

ومما جاء في نداء الرئيس سلام: “أتوجه إليكم بخالص الشكر على وقوفكم المتجدد إلى جانب لبنان. فقبل ثلاثة أشهر، التقينا في ظرف دقيق، في الأيام الأولى من حرب لم نخترها ولم نسع إليها. واليوم نلتقي مرة أخرى، وكم كنا نتمنى أن يكون لقاؤنا هذا لنطوي معا صفحة هذه الأزمة، لا لنفتح فصلا جديدا من فصولها. لقد مرت ثلاثة أشهر على هذه الحرب التي فرضت علينا. ومنذ ساعاتها الأولى، كانت الدولة اللبنانية حاضرة: فعّلنا من خلال وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي غرفة العمليات المركزية، وأطلقنا بقيادة وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، خطة شاملة منسقة للاستجابة الوطنية. وقد توجهت هذه الخطة إلى نحو مليون نازح اضطرتهم الحرب إلى مغادرة بيوتهم؛ منهم من لجأ إلى مراكز الإيواء التي تديرها الدولة، ومنهم من بقي خارجها، فعملت الدولة على مواكبتهم عبر مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة وسائر مؤسساتها، بما في ذلك من خلال المساعدات النقدية. كما استهدفت الخطة أكثر من خمسين ألفا من أهلنا الذين بقوا صامدين في قراهم وبلداتهم في الجنوب رغم القصف والخطر، لأن الصمود يحتاج هو أيضا إلى حماية ورعاية وتأمين مقومات الحياة”.

رسالة للنازحين

وقال سلام: “أتوجه أولا إلى أهلنا النازحين، بالقول مجددا: إن عودتكم الكريمة والآمنة إلى أرضكم هي في صلب مسؤوليتنا وأولوياتنا. فمأساتكم هي مأساتنا. وأحيي أهلنا في الجنوب، الصامدين في أرضهم وبيوتهم في وجه مشاريع التهجير. فهم يؤكدون، كل يوم، أن الجنوب سيبقى لبنانيا، وأقول لهم إن الدولة تبقى ملاذكم الأول، وسيادتها ليست شعارا بل التزام يومي تجاه أبنائها. وكما عملنا للنهوض بواجبنا على الجبهة الإنسانية، لم نوفر جهدا على الجبهة الدبلوماسية”.

وتابع: “إن رفض وقف إطلاق النار يعني، ببساطة ووضوح، أن الحرب مستمرة، وأن الأزمة الإنسانية مستمرة تاليا، بل إنها تتعمق يوما بعد يوم. ومن هنا، فإننا لا نستطيع أن نكتفي بوصف المأساة، ولا بأن نحصي الضحايا، ولا بأن ننتظر أن تتعب المدافع من تلقاء نفسها.

لذلك، يهمني أن أتوجه اليوم برسالتين: أولا، أتوجه إلى اللبنانيين جميعا، بالدعوة إلى تحكيم العقل، وإلى تغليب مصلحة لبنان وشعبه فوق أي مصلحة أخرى. فلا يجوز أن يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، ولا أن يدفع الجنوب وأهله ثمن حسابات لا يملكون قرارها. إن جوهر موقفنا واضح: لا حربا يجوز أن تُخاض باسمنا من دون سؤالنا، ولا قرار حرب أو سلم يجوز أن يبقى خارج دولتنا.

الضغط على إسرائيل

ثانيا، أدعوكم جميعا، سفراء دول وممثلي منظمات أممية، إلى الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على المدنيين، ولوقف تدمير حواضر جبل عامل، عبر جرف المنازل والقرى من صور إلى بنت جبيل والنبطية. فسياسة العقاب الجماعي هذه التي تدينها كل الشرائع الدولية وكل الضمائر الحية من حول العالم، والتي يتعرض أهلنا لها بشكل يومي، لا يمكن أن تصنع أمنا، بل إنها تولد مزيدا من الألم والغضب والخراب، فتضرب كل فرصة للاستقرار.

ودعوني أكون واضحا أمامكم: إن أهل الجنوب ليسوا طرفا في حرب إيران مع أمريكا. هم أبناء هذه الأرض، ولهم الحق بالعيش فيها في أمان وكرامة مثل سائر شعوب العالم. وما يُدمّر اليوم ليس ملك لبنان وحده، بل هو إرث للإنسانية. فصور مثلا مدرجة على لائحة التراث العالمي، كما أن قلعة الشقيف شاهد على تاريخ يتعدى في دلالاته جنوب بلادي. وما دامت الحرب مستمرة، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم. فعدد كبير من النازحين لن يستطيعوا العودة قريبا إلى مدن وقرى دُمّرت بالكامل. وكلما اتسعت رقعة الدمار، كلما صارت العودة أصعب”.

وختم: “إن مفاوضاتنا مستمرة، لكن التفاوض وحده لا يكفي ما دامت النيران مشتعلة. فما نطلبه منكم اليوم ليس فقط موقفا سياسيا، بل تحركا متكاملا: للضغط من أجل وقف النار، ولحماية المدنيين وبيوتهم وأرزاقهم، ولدعم قدرة الدولة اللبنانية على الاستجابة للحاجات الإنسانية التي فرضتها حرب هي ليست حربنا. أشكركم على وقوفكم إلى جانب لبنان، وكلي ثقة بأن تبقوا، كما عهدناكم، شركاء في صون الأمل لدى أبناء شعبي، لا شهودا على آلامهم”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *