اجتماعات أديس أبابا تخلق تبايناً داخل “الكتلة الديمقراطية” الداعمة للجيش


الخرطوم – “القدس العربي”: كشفت الاجتماعات الاستكشافية الخاصة بالحوار السوداني- السوداني التي انطلقت، الأربعاء، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، عن تباين واضح في مواقف مكونات الكتلة الديمقراطية، أحد أبرز التحالفات السياسية الداعمة للحكومة السودانية في الخرطوم، إذ إن طرفاً قرر المشاركة وآخر تحفظ، رغم اتفاق الجانبين على رفض الجلوس مع تحالف “تأسيس” المظلة السياسية المرتبطة بقوات “الدعم السريع”.

وتأتي هذه الاجتماعات بدعوة من الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، في إطار جهود مستمرة منذ أشهر لدفع الأطراف السودانية نحو عملية سياسية تسهم في إنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل/ نيسان 2023، ووضع أسس تسوية سياسية مستدامة.

انقسام حول المشاركة

ورغم إعلان مجموعة من قيادات الكتلة الديمقراطية، مساء الثلاثاء، عدم المشاركة في الاجتماعات بسبب اعتراضها على دعوة تحالف “تأسيس” للمشاركة في المشاورات السياسية، فقد وصلت بالفعل إلى أديس أبابا مجموعة أخرى تمثل أحد عشر تنظيماً سياسياً من مكونات الكتلة للمشاركة في الاجتماعات التي تستمر يومي الأربعاء والخميس.

ويعكس هذا التباين وجود اختلافات في تقدير الموقف داخل الكتلة بشأن كيفية التعاطي مع الاجتماعات، إلا أن القيادات المشاركة أكدت أن الخلاف يتعلق بآليات الحوار وليس بالأهداف العامة أو المواقف الوطنية الأساسية.

وخلال مؤتمر صحافي عقد في أديس أبابا، قال القيادي في الكتلة مبارك أردول إن الوفد المشارك جرى تشكيله بالتشاور بين قيادة الكتلة والآلية الخماسية، موضحاً أن المشاركة تأتي انطلاقاً من قناعة بضرورة الانخراط في أي جهد سياسي يمكن أن يسهم في إنهاء الأزمة السودانية.

وأشار إلى أن التطورات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية تفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الحوار الوطني، معتبراً أن السودان بحاجة إلى عملية سياسية تعالج آثار الحرب وتمهد لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

وأضاف أن الكتلة تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أزمة ذات أبعاد سياسية تتطلب حلاً سياسياً، مؤكداً دعم الكتلة للحكم المدني الديمقراطي ولأي حوار يفضي إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد واستقرارها.

رفض الجلوس مع “تأسيس”

ورغم مشاركة وفد الكتلة في اجتماعات أديس أبابا، شدد أردول على أن موقفهم من تحالف “تأسيس” لم يتغير، مؤكداً رفضهم الجلوس مع ممثليه أو التعامل معه كطرف سياسي طبيعي في العملية السياسية.

وقال إن التحالف يمثل، من وجهة نظرهم، الامتداد السياسي لقوات “الدعم السريع”، مشيراً إلى أن الخلاف معه لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، وإنما يرتبط أيضاً باتهامات تتعلق بالانتهاكات التي شهدتها عدة مناطق سودانية خلال الحرب.

وأضاف أن مشروع الحكومة الموازية الذي ارتبط بتحالف “تأسيس” يثير مخاوف حقيقية بشأن وحدة السودان وسلامة أراضيه، وهو ما يجعل التعامل معه أمراً مرفوضاً بالنسبة للكتلة الديمقراطية.

وفي المقابل، حاول أردول التقليل من أهمية الخلافات الداخلية بشأن المشاركة في الاجتماعات، مؤكداً أن الكتلة الديمقراطية لا تزال موحدة من حيث الهياكل التنظيمية والرؤية العامة، وأن الاختلاف الحالي يندرج ضمن تباين طبيعي في تقدير المواقف السياسية ووسائل إدارة الحوار.

وأكد أن الاتصالات والمشاورات ما تزال مستمرة بين مختلف مكونات الكتلة للوصول إلى موقف أكثر توافقاً خلال المرحلة المقبلة.

زكي: مشاركة بعض مكونات الكتلة في اجتماعات أديس أبابا لا تعني التخلي عن الموقف المبدئي الداعي إلى إجراء حوار سوداني- سوداني داخل البلاد برعاية وطنية كاملة

مساعدة رئيس الكتلة الديمقراطية، سالي زكي، أكدت خلال المؤتمر الصحافي أن مشاركة بعض مكونات الكتلة في اجتماعات أديس أبابا لا تعني التخلي عن الموقف المبدئي الداعي إلى إجراء حوار سوداني- سوداني داخل البلاد برعاية وطنية كاملة.

وقالت إن الكتلة الديمقراطية ظلت ترحب بمختلف المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة، لكنها ترى أن التجارب السابقة أظهرت محدودية فاعلية الاجتماعات الخارجية في إنتاج حلول قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

وأضافت أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة جديدة يتم فيها تنظيم حوار وطني شامل داخل السودان، تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية تحت إدارة سودانية خالصة.

وشددت على أن تعدد المبادرات السياسية خلال الفترة الماضية ساهم في تعقيد المشهد السوداني بدلاً من تبسيطه، معتبرة أن توحيد الجهود والمسارات السياسية يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي عملية سلام مستدامة.

كما جددت تأكيد دعم الكتلة الديمقراطية لمؤسسات الدولة السودانية وللقوات المسلحة، معتبرة أن المؤسسة العسكرية تمثل ركناً أساسياً في الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها خلال المرحلة الحالية.

وقالت إن الكتلة ترفض بشكل قاطع فكرة الحكومة الموازية أو أي ترتيبات سياسية يمكن أن تؤدي إلى تقسيم البلاد أو إضعاف مؤسساتها الوطنية، مشيرة إلى أن تجربة انفصال جنوب السودان تجعل من قضية الحفاظ على وحدة البلاد أولوية قصوى بالنسبة للقوى الوطنية.

وأكدت أن الوفد المشارك في الاجتماعات جاء بتنسيق مع قيادات داخل الكتلة الديمقراطية، وأن هدفه الأساسي يتمثل في الدفاع عن رؤية تدعم وحدة السودان وتحافظ على مؤسسات الدولة.

انتقادات لإدارة الحوار

في المقابل، كانت مجموعة أخرى من قيادات الكتلة الديمقراطية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، تحفظها على المشاركة في الاجتماعات، مع تأكيدها في الوقت نفسه دعم جميع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل ومستدام.

ووقع على البيان عدد من الشخصيات السياسية والأهلية البارزة، من بينهم رئيس الكتلة، جعفر الصادق الميرغني، ورئيس حركة “العدل والمساواة” جبريل إبراهيم، والناظر محمد الأمين ترك، إلى جانب عدد من رؤساء الأحزاب والحركات السياسية.

من بين أبرز النقاط التي تضمنها بيان المجموعة المتحفظة التأكيد على ضرورة الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني في معالجة الأزمة السودانية

وأوضحت المجموعة المتحفظة أن اعتراضها لا يستهدف مبدأ الحوار أو جهود الوساطة الدولية، وإنما يرتبط بالطريقة التي تُدار بها العملية السياسية الحالية.

وأشادت بدور الآلية الخماسية وجهودها في تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، لكنها اعتبرت أن ترتيبات الاجتماعات الحالية جرى إعدادها دون التوصل إلى تفاهمات كافية مع القوى السياسية السودانية بشأن القضايا الإجرائية الأساسية.

وأكد البيان تمسك الكتلة الديمقراطية بمبدأ “الملكية الوطنية” للحوار السوداني، مشيراً إلى أن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تستند إلى توافق مسبق بين الأطراف السودانية حول مكان الحوار وأطرافه وأجندته وآليات إدارته.

وأشار إلى أن الكتلة كانت قد طلبت عقد اجتماع تنسيقي مع الآلية الخماسية لمناقشة هذه القضايا، لكنها لم تتلق رداً على طلبها، الأمر الذي أثار لديها تساؤلات حول منهج إدارة العملية السياسية.

الفصل بين مسارين

ومن بين أبرز النقاط التي تضمنها بيان المجموعة المتحفظة التأكيد على ضرورة الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني في معالجة الأزمة السودانية.

ورأت الكتلة أن القضايا السياسية يجب أن تناقشها القوى المدنية والسياسية، بينما ينبغي معالجة الملفات الأمنية والعسكرية عبر ترتيبات منفصلة تشمل مؤسسات الدولة السودانية والقوات المسلحة وقوات الدعم السريع، على أن يتم التنسيق بين المسارين في مراحل لاحقة وفق تفاهمات وطنية شاملة.

واعتبرت أن دعوة تحالف “تأسيس” للمشاركة في الاجتماعات السياسية تمثل خلطاً بين المسارين السياسي والأمني، وتعكس تبنياً لرؤية سياسية مرتبطة بقوات الدعم السريع وحلفائها.

كما شددت على رفض أي مقاربة تضع مؤسسات الدولة السودانية وقوات الدعم السريع في مرتبة واحدة، مؤكدة أن القوات المسلحة تمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، في حين تتهم قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة خلال النزاع الدائر في البلاد.

وحذرت في بيانها من أن منح أي كيان موازٍ للدولة وضعاً سياسياً أو تمثيلياً قد يشكل سابقة خطيرة تهدد وحدة السودان وسيادته.

وأكدت أن احترام وحدة الدول وسيادتها يمثل أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المنظمات الإقليمية والدولية، داعية الوسطاء الدوليين والإقليميين إلى مراعاة هذه الاعتبارات خلال إدارة العملية السياسية.

يأتي هذا التباين داخل الكتلة الديمقراطية في وقت تواجه فيه جهود التسوية السياسية في السودان تحديات معقدة

كما جددت تمسكها برؤية تقوم على إطلاق حوار سوداني ـ سوداني شامل لا يقتصر على القوى السياسية التقليدية، بل يشمل مختلف مكونات المجتمع السوداني، ويتم تنظيمه وإدارته بواسطة لجنة وطنية مستقلة بعد تهيئة الظروف الملائمة وتحقيق تقدم في مسار السلام.

ويأتي هذا التباين داخل الكتلة الديمقراطية في وقت تواجه فيه جهود التسوية السياسية في السودان تحديات معقدة، أبرزها استمرار الحرب، وتعدد المبادرات والوساطات، وتباين مواقف القوى السياسية بشأن شكل العملية السياسية وأطرافها.

ورغم اختلاف المواقف بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، فإن مختلف أطراف الكتلة الديمقراطية تبدو متفقة على عدد من القضايا الأساسية، من بينها دعم وحدة السودان، ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى قيام كيانات موازية للدولة، والتأكيد على أهمية الوصول إلى حل سياسي ينهي الحرب ويعيد الاستقرار للبلاد.

وفي ظل استمرار المشاورات التي ترعاها الآلية الخماسية، يبقى نجاح أي مسار سياسي مرهوناً بقدرته على بناء توافق واسع بين القوى السودانية المختلفة، ومعالجة القضايا الخلافية المتعلقة بطبيعة الحوار وأطرافه وآليات تنفيذه، وصولاً إلى تسوية تنهي الحرب المندلعة في البلاد منذ أبريل/ نيسان 2023.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *