من اللجوء إلى الجواز الألماني.. السوريون يتصدرون أرقام التجنيس للعام الخامس


برلين ـ “القدس العربي”: بعد نحو عقد على وصول مئات الآلاف من السوريين إلى ألمانيا طلبا للحماية، تكشف أرقام التجنيس الجديدة عن تحول لافت في مسار هذه الجالية: من مرحلة اللجوء والإقامة المؤقتة إلى حمل جواز  السفر الألماني والمشاركة الكاملة في الحياة القانونية والسياسية في البلاد.

فقد سجلت ألمانيا في عام 2025 أعلى عدد من عمليات التجنيس منذ بدء الإحصاءات الحديثة، بعدما حصل 332 ألفا و500 أجنبي على الجنسية الألمانية، بزيادة بلغت 14 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وبقي السوريون أكبر مجموعة بين الحاصلين على الجنسية للعام الخامس على التوالي، رغم تراجع عددهم مقارنة بعام 2024.

وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، فإن واحدا من كل خمسة أشخاص حصلوا على الجنسية الألمانية العام الماضي كان سوريا. ويأتي ذلك في ظل تأثير مباشر لإصلاح قانون الجنسية الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2024، وخفف مدة الإقامة المطلوبة للتجنيس من ثماني سنوات إلى خمس سنوات، كما سمح مبدئيا بازدواج الجنسية.

 السوريون أولا.. لكن بأرقام أقل

رغم التراجع المسجل مقارنة بعام 2024، بقي السوريون في مقدمة المجنسين في ألمانيا. فقد بلغ عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية عام 2025 نحو 65 ألفا و600 شخص. غير أن هذا الرقم يمثل انخفاضا بنسبة 21 بالمئة مقارنة بالعام السابق، عندما حصل 83 ألفا و200 سوري على الجنسية الألمانية.

ويفسر هذا التراجع جزئيا بأن أعدادا كبيرة من السوريين الذين وصلوا إلى ألمانيا خلال موجة اللجوء الكبرى في عامي 2015 و2016 أصبحوا مؤهلين للتجنيس في السنوات الماضية، وخصوصا في عام 2024. لذلك لا يعني انخفاض الرقم في 2025 تراجع حضور السوريين في خريطة التجنيس، بقدر ما يعكس أن جزءا كبيرا من هذه الفئة انتقل بالفعل من مرحلة الانتظار القانوني إلى مرحلة الحصول على الجنسية.

وتوضح وزارة الخارجية الألمانية أن قانون تحديث الجنسية، الذي بدأ العمل به في 27 يونيو/حزيران 2024، جعل الحصول على الجنسية الألمانية ممكنا من دون فقدان الجنسية السابقة في حالات كانت غير ممكنة سابقا، كما ألغى في حالات كثيرة الحاجة إلى اختيار جنسية واحدة. وبذلك أصبح الطريق إلى الجواز الألماني أقصر قانونيا، لكنه ما زال مشروطا بمتطلبات أخرى، مثل الإقامة القانونية، ومعرفة اللغة، واجتياز اختبار التجنيس، والالتزام بالنظام الديمقراطي الحر، والقدرة على إعالة النفس.

هذه النقطة أساسية في فهم الأرقام الجديدة. فارتفاع التجنيس لا يعني فقط زيادة مفاجئة في عدد الراغبين بالحصول على الجنسية، بل يعكس أيضا تراكم طلبات وانتظار طويل في مكاتب الأجانب والسلطات المحلية، إضافة إلى تغيير قانوني جعل شريحة أوسع من المقيمين مؤهلة للتقديم أو أكثر استعدادا لاتخاذ هذه الخطوة.

الأتراك والروس في المرتبتين الثانية والثالثة

بعد السوريين، جاء الأتراك في المرتبة الثانية بين أكبر المجموعات التي حصلت على الجنسية الألمانية عام 2025. وبلغ عددهم 34 ألفا و100 شخص، أي نحو 10 بالمئة من إجمالي المجنسين. أما الروس فجاؤوا في المرتبة الثالثة بعدد بلغ 19 ألفا و700 شخص، أي ما يعادل نحو 6 بالمئة.

واللافت أن عدد المجنسين من تركيا وروسيا ارتفع بنسبة 51 بالمئة لكل منهما مقارنة بالعام السابق. وهذا يعكس أن إصلاح قانون الجنسية لم يؤثر فقط على اللاجئين الجدد أو القادمين خلال العقد الأخير، بل شمل أيضا جاليات أقدم وأكثر استقرارا في ألمانيا، كان بعض أفرادها يترددون سابقا في طلب الجنسية بسبب شرط التخلي عن الجنسية الأصلية أو بسبب طول مدة الانتظار.

وتكتسب الحالة التركية أهمية خاصة في ألمانيا، لأن الجالية ذات الأصول التركية تُعد من أقدم وأكبر الجاليات المهاجرة في البلاد. وكثير من أفرادها أو أبنائها ولدوا أو نشأوا في ألمانيا، لكن العلاقة مع الجنسية الألمانية ظلت لسنوات طويلة محكومة بسؤال الهوية المزدوجة والانتماء بين بلد المنشأ وبلد الإقامة.

ارتفاع لافت بين جنسيات أخرى

لم يقتصر الارتفاع على المجموعات الكبرى. فقد سجلت بيانات عام 2025 نموا قويا في أعداد المجنسين من بعض الجنسيات. وارتفع عدد البوسنيين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية بنسبة 126 بالمئة ليصل إلى 8800 شخص. كما تضاعف عدد الأمريكيين الحاصلين على الجنسية بنسبة 100 بالمئة، ليبلغ 6600 شخص، في حين ارتفع عدد الألبان بنسبة 97 بالمئة إلى 6100 شخص.

وتكشف هذه الزيادات أن قانون الجنسية الجديد أعاد تحريك ملفات فئات مختلفة من المقيمين، وليس فقط فئات اللجوء. فالسماح بالجنسية المزدوجة يغيّر حسابات كثيرين ممن كانوا يعيشون في ألمانيا منذ سنوات طويلة، لكنهم لم يرغبوا في قطع العلاقة القانونية مع بلدهم الأصلي. كما أن تقصير مدة الإقامة المطلوبة فتح الباب أمام أشخاص كانوا يحتاجون سابقا إلى الانتظار مدة أطول قبل تقديم طلب التجنيس.

 طلبات كثيرة ونسبة قبول مرتفعة

تظهر الأرقام الرسمية أن عام 2025 لم يشهد فقط ارتفاعا في عدد الحاصلين على الجنسية، بل أيضا في عدد الطلبات والإجراءات. فقد سجلت السلطات 467 ألفا و400 طلب تجنيس، وكانت المجموعة الأكبر بين مقدمي الطلبات من السوريين بنسبة 15 بالمئة، أي نحو 69 ألفا و700 طلب. وجاء الأتراك بعدهم بنسبة 11 بالمئة، ثم الروس بنسبة 5 بالمئة.

ومن بين 371 ألفا و100 إجراء تم البت فيه خلال العام، انتهت 90 بالمئة منها بمنح الجنسية. أما 5 بالمئة من الحالات فسحب أصحابها طلباتهم، في حين رُفضت نحو 3 بالمئة فقط من الطلبات، وانتهت نسبة مماثلة بطرق أخرى، مثل وفاة مقدم الطلب أو انتقاله إلى الخارج.

استعادة الجنسية لضحايا النازية وأحفادهم

من بين المؤشرات اللافتة أيضا ارتفاع عدد الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية الألمانية بموجب قوانين إعادة الجنسية أو التعويض التاريخي. وتشمل هذه القوانين الأشخاص الذين جردتهم ألمانيا النازية من جنسيتهم، وكذلك أحفادهم. وارتفع عدد هذه الحالات بنسبة 61 بالمئة ليصل إلى 12 ألف شخص في عام 2025، أي نحو 4 بالمئة من إجمالي عمليات التجنيس.

وتشير الحكومة الألمانية إلى أن تعديلات قانونية سابقة منحت حقا قانونيا أوسع للمتضررين من الاضطهاد النازي وأحفادهم في استعادة الجنسية أو الحصول عليها. وهذا المسار يختلف عن التجنيس التقليدي للمقيمين في ألمانيا، لأنه يرتبط بإرث تاريخي وسياسي خاص وبمحاولة قانونية لمعالجة آثار سحب الجنسية في عهد النازية.

جنسية أم اندماج أم سياسة؟

تأتي هذه الأرقام في لحظة سياسية حساسة في ألمانيا، حيث يتداخل ملف الجنسية مع النقاش الأوسع حول الهجرة والاندماج واللجوء والهوية الوطنية. فالمؤيدون لتسهيل التجنيس يرون أن منح الجنسية لمن يعيشون في ألمانيا منذ سنوات، ويعملون ويدفعون الضرائب ويتحدثون اللغة، يمثل خطوة طبيعية نحو مشاركة سياسية واجتماعية أوسع. أما المنتقدون فيحذرون من أن تقصير المدة والسماح بازدواج الجنسية قد يضعفان معنى الجنسية أو يحولانها إلى إجراء إداري سريع.

لكن البيانات الجديدة تكشف أن المسألة أعقد من هذا الانقسام. فجزء من الارتفاع يعود إلى اللاجئين السوريين الذين وصلوا قبل نحو عقد من الزمن، وجزء آخر إلى جاليات مستقرة منذ زمن طويل مثل الأتراك، وجزء ثالث إلى أوروبيين وأمريكيين وغيرهم ممن استفادوا من انتهاء القيود التقليدية على ازدواج الجنسية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *