نحن إزاء عمليتين عسكريتين مختلفتين في الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران. العملية الأولى إسرائيلية الطابع لها شعار يختلف عن الثانية، الشعار الإسرائيلي لعمليتها العسكرية هو «زئير الأسد»، أما شعار الولايات المتحدة لعمليتها فهو «الغضب الملحمي». الفارق بين الإثنين كبير، رغم أنهما بدأتا معا في توقيت واحد (28 فبراير)، الأولى تهدف إلى تدمير إيران سياسيا وعسكريا واجتماعيا، بينما الثانية تهدف للتعبير عن الغضب والرغبة في الانتقام.
الأولى وجودية والثانية تبحث عن انتصار تفخر به. وعلى الرغم من سقطات بيانات ترامب بشأن تغيير النظام وتدمير القوة العسكرية الإيرانية، فإنه ظل بعيدا عن رغبة نتنياهو في مواصلة الحرب إلى النهاية، حتى تتحقق أهداف إسقاط النظام، وإقامة نظام عميل، وإزالة البرنامج النووي وتدمير بنيته الأساسية، وإنهاء البرنامج الصاروخي، وتصفية نفوذ إيران الإقليمي، ما يعني إنهاء مركز المقاومة الأخير للنفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط وإقامة نظام إقليمي جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية.
ما يجمع نتنياهو وترامب هو الإيمان بالقوة طريقا لتحقيق الهيمنة المطلقة (السلام من خلال القوة)، في إطار منظومة يحاول نتنياهو إقناع ترامب بها، تقوم على أساس تقسيم العمل العسكري بينهما
على الطرف الآخر يقف دونالد ترامب مستندا إلى أيديولوجية قومية أمريكية، ترى أن الصين وروسيا هما عدواها الرئيسيان، وأن إيران وكوريا الشمالية وكوبا، على الرغم من تحالفها مع روسيا والصين، فإن هناك مساحة قابلة للمناورة تستطيع من خلالها الولايات المتحدة تحييدها، أو إعادة تشكيلها سياسيا على الطريقة الفنزويلية. ولا يزال يراود ترامب حلم التوصل إلى صفقة مع كوريا الشمالية، وتطبيع العلاقات مع إيران بعد الحرب، مع غزو كوبا التي تمثل شوكة في جنب الولايات المتحدة لا ترى بديلا عن التخلص منها، إما باحتلالها أو اقامة نظام عميل فيها على غرار ما كان عليه الحال قبل ثورة كاسترو.
ما يجمع نتنياهو وترامب هو الإيمان بالقوة طريقا لتحقيق الهيمنة المطلقة (السلام من خلال القوة)، في إطار منظومة يحاول نتنياهو إقناع ترامب بها، تقوم على أساس تقسيم العمل العسكري بينهما، بحيث تقف أمريكا مع إسرائيل في الشرق الأوسط، ثم يأتي الدور بعد ذلك على إسرائيل لتقف مع الولايات المتحدة ضد الصين في تايوان. على هذا الأساس كان قرار الحرب المشتركة، مع احتفاظ كل منهما بحرية الحركة، وهو ما عبر عنه رمزيا الاختلاف في تسمية الحرب إسرائيليا وأمريكيا. لكن إدارة الحرب ليست بهذا القدر من البساطة، نظرا لتشابك السياسة الأمريكية والإسرائيلية من خلال اللوبي الصهيوني الأمريكي والشخصيات القيادية الأمريكية في الكونغرس، المعروف عنه أنه صنيعة هذا اللوبي، أو هو جزء عضوي منه مثل ليندسي غراهام وتوم كوتون. ويواجه ترامب، المتردد دائما ويتكلم ويتصرف بعقلية سمسار العقارات، الذي يجري وراء صفقة يتربح منها، ثم يمضي للبحث عن أخرى، انقساما كبيرا في حركة «ماغا» بين التيارين القومي الأمريكي والصهيوني الإسرائيلي وهو على عتبات التجديد النصفي للكونغرس. هو يريد ارضاء نتنياهو من أجل كسب تأييد اللوبي الصهيوني في الانتخابات، كما يسعى في الوقت نفسه لتجنب حدوث انقسام حاد في حركته السياسية، حتى لا يخسر الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس. في هذا السياق يقترب ترامب من صفقة فتح مضيق هرمز أو يبتعد. في الحالة الأولى يزيد اعتماده على الدبلوماسية، وفي الثانية يستخدم قوات القيادة العسكرية المركزية CENTCOM لتوجيه ضربات متقطعة إلى إيران، في محاولة لإيهام الرأي العام الأمريكي بأن طهران ستوقع على الصفقة تحت ضغط تلك الضربات وخوفا من القوة الأمريكية. وهنا فإن ترامب يخوض معركة شخصية من أجل تحقيق ما يمكن أن يطلق عليه «انتصار عسكري»، وهو ما فشل في تحقيقه منذ تولى الرئاسة الأولى على خلفية شعار الانسحاب من الحروب، التي بلا نهاية في الشرق الأوسط. وتلعب القيادة العسكرية المركزية في الشرق الاوسط (CENTCOM) دورا خفيا في مرحلة ما قبل الضربات الأمريكية، التي تشنها قواتها على إيران، ثم في توجيه تلك الضربات، حيث إنها تقدم للبنتاغون المبررات الداعية للاعتداءات. وقد استطاعت إسرائيل منذ انضمت إلى منطقة عمليات القيادة المركزية قبل خمس سنوات تقريبا (كانت ضمن القيادة الأوروبية قبل ذلك) احتواء ضباط تلك القيادة وضمان أن يعملوا داخل حدود استراتيجية جيش الاحتلال الإسرائيلي، واستخدامها كقناة خلفية لتسريب ضباطها إلى الدول العربية الداخلة ضمن اتفاقيات التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، خصوصا مبادرة الدفاع الجوي الصاروخي، التي توجد لها مقرات داخل القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في الأردن والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر. ويعتبر القائد الحالي للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر (تسلم مهام منصبه في أغسطس 2025 خلفاً للجنرال مايكل إيريك كوريللا) واحدا من أهم الضباط الأمريكيين المقربين إلى إسرائيل، لا يقل ولاء لها عن سلفه في تلك القيادة. ومن أهم الخدمات التي يؤديها براد كوبر لإسرائيل تزكية حصولها على أسلحة وذخائر من مخازن الجيش الأمريكي الموجودة في إسرائيل. وقد أشار تقرير صدر أخيرا عن البنتاغون إلى أن أحد أسباب نقص أسلحة وذخائر الجيش الأمريكي في الحرب الحالية على إيران يتمثل في أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لديه ميزة الحصول على الأسلحة الأمريكية أولا، حتى إن كان ذلك على حساب مصلحة القوات الأمريكية. وتتضمن المبررات الرئيسية للضربات العسكرية ضد إيران الدفاع عن القوات والقواعد الأمريكية، وأن الطائرات الإيرانية من دون طيار أو أنظمة الصواريخ ومنشآت الرادار والمنشآت العسكرية تمثل تهديدا مباشرا للأفراد والقواعد والقوات البحرية، أو الشحن التجاري الأمريكي.
وفي الحوادث الأخيرة، قال مسؤولون أمريكيون، إن الضربات نفذت بعد أن أسقطت إيران طائرة تجسس أمريكية من دون طيار، مع ترويج معلومات استخباراتية تشير إلى تهديدات للقوات الأمريكية وحركة المرور البحرية في الخليج. وإلى جانب الدور الذي تقوم به القيادة المركزية في تقديم المبررات لصانع قرار الحرب، فإن مراكز صناعة القرار الأمريكي تستعين أيضا بالتقارير الإسرائيلية، وتقارير الحلفاء مثل الإمارات، إضافة إلى تقارير المخابرات الأمريكية في العواصم الخليجية. وغالبا ما ترتبط الضربات العسكرية الأمريكية لإيران بادعاءات بأنها كانت تستعد لهجمات صاروخية، أو تهدد ممرات الشحن، أو تتقدم نحو قدرة عسكرية من شأنها أن تخلق خطرا وشيكا على القوات الأمريكية والدول الحليفة. ويؤدي خرق وقف إطلاق النار والاستمرار في تلك الاعتداءات إلى ردود فعل إيرانية تتضمن توجيه ضربات للأصول العسكرية الأمريكية في الخليج والمنشآت العسكرية المرتبطة بها لدى الدولة المضيفة، خصوصا بعد أن ثبت، طبقا لتقارير أمريكية نشرتها صحف لها مصداقية كبيرة مثل «وول ستريت جورنال» و»نيويورك تايمز»، أن دولا خليجية شاركت بالفعل عسكريا في الحرب على إيران، الأمر الذي يعطي طهران مبررات كافية لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى الدول المذكورة وعدم الاقتصار على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية فقط. في الواقعة الأخيرة التي أسقطت فيها إيران طائرة تجسس أمريكية بلا طيار، ردت إيران على الهجمات الانتقامية فورا بضرب القاعدة الجوية الأمريكية في الكويت، ما أسفر عن إصابة خمسة جنود أمريكيين. وتعتمد القيادة الإيرانية على مبدأ الاستعداد التكتيكي التام للرد على الاعتداءات الأمريكية، من دون انتظار لأي تداعيات دبلوماسية، فالردع العسكرى له الأولوية على الدبلوماسية، حتى في حال التوصل إلى اتفاق. وطبقا لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فإن إيران يجب أن تكون مستعدة لاستئناف القتال في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، إذا لزم الأمر. ما يزيد من تعقيد المفاوضات في الوقت الراهن بعدما كان الحديث يتردد في الأسبوع الماضي عن اتفاق وشيك، هو أن واشنطن عادت إلى إقحام شروط تراها ضرورية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وقدمت طلبات لتعديل بعض نصوص مذكرة التفاهم بشأن فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، إضافة إلى التراجع عن بعض الشروط المتعلقة بالإفراج عن جزء من الأرصدة المالية المجمدة. في المقابل عادت إيران إلى تأكيد موقفها من ربط إنهاء الحرب في مضيق هرمز بإنهاء الحرب في لبنان، وإبداء قدر أكبر من التشدد بخصوص حقوقها النووية. وقد نجحت إيران في خلق أمر واقع جديد بالنسبة للملاحة في مضيق هرمز ما يحقق المصالح التجارية لدول العالم. ولا تزال واشنطن تعيد تكرار أسلوبها المتمثل في شن الغارات الجوية والضرب بالصواريخ. وفي انتظار من تكون له الكلمة الأخيرة في تلك المواجهة، فإن الضغوط الداخلية والعالمية ستزيد على الرئيس الأمريكي وليس على النظام في طهران، إلا إذا ابتكر ترامب حزمة جديدة من الأدوات، بعيدا عن نتنياهو واللوبي الصهيوني، تساعده على الخروج من المأزق الراهن من دون إراقة دماء أمريكية أو إراقة ماء الوجه.
كاتب مصري