المثقف الذي يكتفي بالمراقبة يفقد جزءا من شرعيته



عبد العزيز بنعبو

الرباط – القدس العربي:  إذا كان الحكم المسبق على المبدعين، مثل الشعراء، يؤكد أنهم لا يشبهون قصائدهم في ممارساتهم اليومية، خاصة على مستوى الرقة والعمق وبلاغة المعنى الانساني، فإن بعضهم وبعضهن يجسدون شعرهم في سلوكهم المعيشي، وفي علاقاتهم بأصدقائهم وزملائهم وعموم الناس. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشاعرة المغربية ريحانة بشير، كاسم يجمع بين رقة الحرف وقوة الفعل الجمعوي.
هذه الابنة البارة للعاصمة الرباط، حيث ولدت، والتي نالت دبلوم الدراسات المعمقة في الآداب الإسلامية، ليست مجرد صوت شعري في جعبته إصدارات: «قبل الإبحار» (2002)، و»حين يتكلم الماء» (2011)، وقد وثّقت تجربتها في شريطها الشعري «لا يعنيني هذا العالم» (2012)، بل هي فاعلة جمعوية في المجال الثقافي، تشغل منصب رئيسة «بيت المبدع الدولي»، ونائبة رئيس جمعية «نجمة للفكر والإبداع»، ومديرة فرع الرابطة العالمية لأدب المهجر، مستفيدة من خبرتها السابقة مسؤولة إقليمية بوزارة التربية الوطنية (التعليم)، ومكلفة بالاتصال.
حين سألت «القدس العربي» ريحانة بشير عن دورها في قيادة «بيت المبدع الدولي»، وكيفية مدّ الجسور بين المبدع المغربي والعالم في ظل العولمة الرقمية

، تبين أنها ترفض فكرة الحدود الضيقة، موضحة أن «بيت المبدع الدولي لم يبن على فكرة التمثيل الجغرافي فقط، بل على وعي عميق بأن الإبداع لغة كونية تتجاوز الحدود». وتسترسل في شرح استراتيجيتها قائلة: «لقد اشتغلنا منذ البداية على خلق فضاءات رقمية تفاعلية، من خلال أمسيات شعرية افتراضية، وورشات نقدية عابرة للقارات، إضافة إلى مشاريع مشتركة تجمع أصواتا من ثقافات مختلفة». وبالنسبة لها، فإن العولمة الرقمية لم تكن عائقا: «لم تكن تحديا بقدر ما كانت فرصة لإعادة تعريف القرب، فصار المبدع المغربي حاضرا في تجارب عالمية دون وساطة تقليدية، وصار الحوار الأدبي أكثر سيولة وعمقا».
وفي ظل التحديات اللوجستية والمادية التي تواجه العمل الجمعوي في المغرب، كان بديهيا أن يتركز السؤال على «الوصفة» التي تتبعها لضمان هذا الإشعاع الدولي، فأجابت بصراحة: «لا أؤمن بالوصفات الجاهزة، لكن أؤمن بالإرادة الثقافية كقوة بديلة». وكشفت عن اعتمادها على «الاقتصاد الرمزي» الذي يعني «الاستثمار في العلاقات وفي الثقة وفي جودة الفعل الثقافي. فحين يكون المشروع صادقا، يجد من يدعمه، ولو معنويا في البداية». وتضيف أن «الاشتغال بروح الفريق، والانفتاح على الشراكات الدولية، والتخفيف من البيروقراطية، كلها عناصر ساعدت على الاستمرارية رغم محدودية الإمكانيات».
أما عن احتضان جيل الشباب، وتخوّف البعض من «جيل التيك توك» والتدوين السريع، فإن ريحانة تتبنى فكرة الاحتضان: «نحن نؤمن بأن كل صوت يحمل إمكانية أن يصبح مشروعا إبداعيا، لذلك نواكب الأصوات الشابة عبر ورشات تكوينية، وقراءات نقدية، ونشر نصوصهم ضمن أنطولوجيات جماعية». وعن التدوين السريع تقول: «لا أراه تهديدا بقدر ما هو تحوّل في وسائط التعبير. التحدي ليس في السرعة، بل في العمق. يمكن لهذه الأجيال أن تندمج في قوالب أدبية رصينة إذا انتقلت من الاستهلاك السريع إلى الوعي باللغة كمسؤولية، لا كأداة عابرة. فالإبداع الحقيقي يحتاج إلى صبر، حتى وإن ولد في فضاء سريع».

وبصفتها شاعرة تملك تجربة نقدية، كان لا بد من سؤالها عن قدرة القصيدة على تفكيك الواقع، وعن «ديوان العرب» ومنافسة الرواية؛ أكدت ريحانة أن «القصيدة ليست مجرد تعبير، بل أداة تفكيك وتأويل»، وفي رأيها «هي قادرة على اختراق ما يعجز عنه السرد المباشر، لأنها تشتغل على الهامش، وعلى الصمت، وعلى ما بين الكلمات». وأضافت ردا على سحب البساط من الشعر: «أعتقد أن الشعر لم يفقد مكانته، بل تغيّر موقعه. لم يعد مركز المشهد، لكنه ظل جوهره الخفي. الرواية والتدوين وسّعا أفق الحكي، لكن الشعر بقي حارس اللغة من التآكل، وحارس الحساسية من التبلّد».
وعند قراءة نصوصها، يُلمس ذلك البعد الإنساني، لذلك سألتها «القدس العربي» عن مدى تقاطع قصيدتها مع المواطن البسيط، لترد بيقين: «أنا لا أكتب من برج عاجي، بل من تماس مباشر مع الهشاشة الإنسانية. القصيدة عندي تبدأ من التفاصيل الصغيرة: خوف عابر، وجع صامت، أو لحظة تأمل في وجه الحياة». وأكدت أن «الهمّ اليومي ليس موضوعا خارجيا، بل مادة داخلية تتشكل داخل النص، لذا أحاول أن أجعل القصيدة مرآة شفافة، يرى فيها القارئ نفسه دون أن يشعر بثقل الخطاب».
وعند تشخيص المشهد الثقافي المغربي اليوم، تضع ريحانة أصبعها على الجرح: «نحن أمام مفارقة واضحة، هناك وفرة في الإنتاج، لكن ليس بالضرورة في القيمة. المنصات الرقمية فتحت الباب للجميع، وهذا مكسب ديمقراطي، لكنه خلق نوعا من الضجيج الثقافي». وتستطرد: «أعتقد أننا نعيش مرحلة فرز بطيئة، حيث سيبقى ما يمتلك عمقا وجدية، وسيتلاشى ما هو عابر».
وعن دور المثقف في نقد الظواهر السلبية والنزول إلى الشارع، تجيب ريحانة بشير حاسمة: «المثقف الذي يكتفي بالمراقبة يفقد جزءا من شرعيته. لا أدعو إلى المباشرة الفجّة، لكن أؤمن بأن على المثقف أن يكون في قلب الأسئلة، لا على هامشها». وتختم بقولها: «يمكنه أن ينزل إلى الشارع دون أن يفقد رمزيته، وأن يكتب دون أن ينفصل عن الواقع. دوره ليس فقط في التشخيص، بل في إضاءة مناطق العتمة، وفتح أفق للتفكير، لا في تقديم أجوبة جاهزة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *