الخرطوم – “القدس العربي”: تعقد القوى المدنية السودانية والحركات المسلحة وتحالفات سياسية، الأربعاء، اجتماعات، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ترعاها الآلية الخماسية الدولية، لدفع جهود إنهاء الحرب المستمرة في السودان، وتهيئة الأرضية لعملية سياسية شاملة تقود إلى السلام والانتقال المدني.
وتضم الآلية الخماسية كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”. وتعمل منذ أشهر على إجراء مشاورات مع الأطراف السودانية المختلفة بهدف بلورة مسار سياسي سوداني- سوداني يسهم في وقف الحرب ووضع أسس انتقال سلمي ومستدام.
وتأتي الاجتماعات الجديدة بعد سلسلة لقاءات ومشاورات أجرتها الآلية خلال الأشهر الماضية مع أحزاب وتحالفات سياسية سودانية بصورة منفصلة، سعياً لتقريب وجهات النظر حول سبل إنهاء الحرب التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
السعي لتفاهمات
عضو مجلس السيادة السوداني السابق والقيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، صديق تاور، قال لـ” القدس العربي” إن حزبه سيشارك في هذه الجولة من المشاورات التي وصفت بأنها “الاجتماع الاستكشافي الأول”، مشيراً إلى أن الدعوات وجهت إلى طيف واسع من القوى السياسية والمدنية التي شاركت في لقاءات سابقة عقدت في برلين وغيرها من العواصم.
وأوضح أن الهدف الرئيسي للاجتماعات يتمثل في البحث عن خطوات عملية لوقف الحرب والتوصل إلى تفاهمات حول مسار سياسي شامل ويناقش الدفع نحو ترتيبات وقف إطلاق النار وشكل المرحلة الانتقالية التي تلي إنهاء القتال.
وأشار إلى أن بعض القوى السياسية أبدت في مراحل سابقة تحفظات على طبيعة المشاركة وتمثيل بعض الأطراف، لافتاً إلى أن هناك مخاوف من تحيزات في الدعوات لصالح قوى بعينها، أو تجاوز المعايير المتفق عليها لاختيار المشاركين.
الهدف الرئيسي للاجتماعات يتمثل في البحث عن خطوات عملية لوقف الحرب والتوصل إلى تفاهمات حول مسار سياسي شامل
وأضاف أن عدداً من القوى، من بينها حزب البعث وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وتحالف “صمود” وأطراف أخرى، أبدت اعتراضات على بعض الترتيبات الأولية، وهددت بمقاطعة الاجتماعات إذا لم يتم الالتزام بمبادئ الشفافية والتوازن في التمثيل.
وحسب تاور، فإن مراجعة بعض الترتيبات السابقة وإعادة النظر في آليات المشاركة أسهمت في تهيئة الظروف لمشاركة هذه القوى، مؤكداً أن الاجتماعات الحالية ذات طبيعة استكشافية وتركز على بناء توافقات أولية حول وقف إطلاق النار، والتدابير المصاحبة له، وقضايا الفترة الانتقالية.
وأضاف أن النقاشات المنتظرة تشمل تصميم عملية سياسية تحظى بقبول واسع وتواكب إجراءات إنهاء الحرب، بما في ذلك تحديد طبيعة المرحلة الانتقالية وأطرافها وبرنامجها السياسي والمؤسسي.
مشاركة “صمود“
في حين، أكد المتحدث باسم تحالف “صمود”، بكري الجاك، لـ” القدس العربي”، مشاركة التحالف في الاجتماعات، معرباً عن أمله في أن تفضي المشاورات إلى توافق بشأن آلية تشكيل لجنة تحضيرية تتولى إدارة العملية السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب.
وقال إن قضية تشكيل اللجنة التحضيرية تمثل محوراً رئيسياً في جدول الأعمال، موضحاً أن التحالف قدم مقترحات عملية للآلية الخماسية وللقوى السياسية الأخرى خلال المشاورات السابقة، وسيعمل خلال الاجتماعات الحالية للوصول إلى توافقات تضمن أن تكون ملكية العملية السياسية، للسودانيين بصورة حقيقية.
تحالف “صمود” ربط مشاركته في اجتماعات أديس أبابا بالتزام الآلية الخماسية بما تم الاتفاق عليه مسبقاً
وكان تحالف “صمود” قد ربط مشاركته في اجتماعات أديس أبابا بالتزام الآلية الخماسية بما تم الاتفاق عليه مسبقاً، بين القوى الرافضة للحرب والقوى الداعمة للجيش وتلك الداعمة لقوات “الدعم السريع”.
وأكد التحالف، في وقت سابق، أن أي تعديل في الأسس المتوافق عليها أو الإخلال بالتفاهمات السابقة من شأنه أن يقوض الثقة في العملية السياسية ويؤثر على فرص نجاحها، مشدداً على أن احترام الاتفاقات يمثل شرطاً أساسياً لتهيئة المناخ الملائم لحوار سياسي جاد يقود إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار.
مشاركة مؤجلة لـ”تأسيس“
في المقابل، أكد المتحدث باسم تحالف “تأسيس”، الجناح السياسي المرتبط بقوات “الدعم السريع”، أحمد تقد لسان لـ” القدس العربي” مشاركة التحالف في الاجتماعات، لكنه أوضح أن انخراط التحالف لن يبدأ منذ اليوم الأول، وإنما في مرحلة لاحقة من المشاورات.
وينظر إلى مشاركة مختلف المكونات السياسية والمدنية، بما في ذلك الأطراف القريبة من الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، باعتبارها اختباراً مهماً لقدرة الآلية الخماسية على جمع أكبر عدد من الفاعلين السودانيين حول رؤية مشتركة لإنهاء الحرب.
رؤى متباينة
وكانت الآلية الخماسية قد عقدت خلال مارس/ آذار الماضي سلسلة اجتماعات في أديس أبابا والقاهرة مع أحزاب وتحالفات سياسية سودانية، استمعت خلالها إلى تصورات مختلفة لمعالجة الأزمة السودانية.
ومن بين المقترحات التي طرحت، رؤية قدمها حزب الأمة القومي تدعو إلى إطلاق مسار سياسي شامل يعيد بناء الدولة السودانية ويؤسس لانتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب الدعوة لعقد مائدة مستديرة وطنية تضم مختلف القوى السياسية لمناقشة القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل البلاد.
كما قدم حزب “البعث العربي الاشتراكي” (الأصل) رؤية وصفها بأنها متكاملة لإنهاء الصراع، أكدت أن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية، بالتوازي مع تهيئة الظروف اللازمة لعودة الحياة الطبيعية للمواطنين.
ودعت الرؤية إلى استعادة المسار المدني الديمقراطي عبر سلطة انتقالية وطنية تتولى إدارة العملية السياسية وصولاً إلى قيام سلطة مدنية منتخبة، مع اقتراح أن تتراوح الفترة الانتقالية بين 12 و18 شهراً.
وشدد الحزب على ضرورة توحيد المبادرات السياسية المختلفة ضمن مسار واحد، لتجنب تضارب الجهود وتعدد المنابر، مؤكداً أن أي عملية سياسية ينبغي أن تسبقها ترتيبات لوقف شامل لإطلاق النار وإنشاء آلية رقابة موثوقة، فضلاً عن فتح الممرات الإنسانية واتخاذ تدابير لبناء الثقة بين الأطراف.
كما تضمنت الرؤية مقترحات تتعلق بإصلاح القطاعين الأمني والعسكري، وإطلاق برنامج اقتصادي إسعافي، والشروع في مسار للعدالة الانتقالية يضمن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وصولاً إلى إجراء انتخابات عامة تفضي إلى سلطة منتخبة.
قدم حزب “البعث العربي الاشتراكي” (الأصل) رؤية وصفها بأنها متكاملة لإنهاء الصراع
كما عرض تحالف “صمود” خلال مشاوراته السابقة مع الآلية الخماسية رؤية سياسية لإنهاء الحرب تقوم على ثلاثة مسارات متوازية تشمل المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، والمسار السياسي الشامل.
ودعت الرؤية إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، بالتزامن مع التوصل إلى وقف دائم للأعمال العدائية وترتيبات أمنية مستدامة، يلي ذلك إطلاق حوار وطني واسع لمعالجة جذور الأزمة السودانية وبناء أسس سلام دائم.
وأكدت أهمية التوافق على مشروع وطني لإعادة بناء الدولة واستكمال مهام الانتقال الديمقراطي، وصولاً إلى انتخابات عامة في نهاية المرحلة الانتقالية.
في المقابل، طرحت الكتلة الديمقراطية، القريبة من الجيش، تصوراً يقوم على إطلاق عملية سياسية سودانية – سودانية تستند إلى مبادئ وحدة البلاد واحترام سيادتها وشرعية مؤسساتها.
ومن المنتظر أن تشارك الكتلة في اجتماعات أديس أبابا، وسط تحفظات على مشاركة تحالف “تأسيس” الموالي لقوات “الدعم السريع”.
مساران متوازيان
وتقترح الرؤية مسارين متوازيين، أحدهما سياسي يشارك فيه المدنيون لمعالجة قضايا الحكم والانتقال، والآخر أمني تشارك فيه المؤسسات العسكرية ويستند إلى مرجعية إعلان جدة الموقع في مايو 2023 بشأن وقف إطلاق النار.
وأكدت الكتلة أهمية أن تكون العملية السياسية شاملة لمختلف القوى السودانية، مع استبعاد المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة.
تقترح الرؤية مسارين متوازيين، أحدهما سياسي يشارك فيه المدنيون لمعالجة قضايا الحكم والانتقال، والآخر أمني تشارك فيه المؤسسات العسكرية
وفي مايو/ أيار الماضي، استضافت العاصمة الكينية نيروبي مشاورات سياسية بمشاركة قيادات مدنية وحزبية وقادة حركات مسلحة، بينهم رئيس حركة “جيش تحرير السودان” عبد الواحد محمد نور، الذي ينتظر مشاركته في اجتماعات اليوم.
وضمت الاجتماعات رئيس تحالف “صمود” عبد الله حمدوك وعدداً من قادة الأحزاب السياسية. وناقشت الاجتماعات تطوير “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد” الموقع في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وسبل بناء أوسع جبهة مدنية وسياسية مناهضة للحرب. كما توصل المشاركون إلى تفاهمات أولية بشأن ترتيبات العملية السياسية، تضمنت الدعوة إلى عملية سياسية شاملة تفضي إلى اتفاق سلام مستدام، ووضع دستور انتقالي، والعمل على بناء منظومة أمنية وعسكرية موحدة، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة للقوى المؤمنة بالحل السلمي وإنهاء الحرب.