لم يكن الشاعر مؤلف المأساة الإغريقية ديكتاتوراً صاحب قلم مستبد، يرفعه في وجه الجمهور متكبراً مستعرضاً، أو مخوفاً مهدداً، فالشاعر الإغريقي في أثينا الديمقراطية كان يؤلف مآسيه لتعرض أمام الجمهور في مباريات الدراما، على مسرح مفتوح يسع الآلاف، بل عشرات الآلاف. ذلك الجمهور الذي هو الشعب بمختلف فئاته وطبقاته، كان قادراً على أن يرفع المسرحية أو يخفضها، وأن يعترف بالشاعر أو ينكره، وأن يكون سبباً في حصوله على كأس مباراة الدراما، فالفن في أثينا القديمة كان ديمقراطياً، يجري خارج الغرف المغلقة بعيداً عن القرارات الفوقية. كان الفن ملكاً للشعب وكانت الدراما تؤلف من أجل أن يصبح هذا الشعب أفضل من الناحية الأخلاقية والإنسانية والدينية، ومن أجل إمتاع فكره وإثراء وجدانه وترقية ذوقه، وإشباع ضرورة أن يتعرض الشعب للفن كما يتعرض للشمس والهواء.
في أثينا القديمة لم يكن الشاعر والجمهور خصمان لا يتفقان أبداً، وإنما كان كل منهما يقوم بدوره حتى تكتمل العملية الفنية، لم يجعل الشاعر نفسه نداً للجمهور، ولم يضع نفسه في حالة تحد دائم له، يتربص به وينقض عليه في كل مناسبة. وعندما كان مؤلف المأساة يرغب في أن يستفز عقل الجمهور ويحرك شعوره، كان يفعل ذلك من خلال الدراما والفن، لا من خلال التوجيهات الآمرة والإرشادات المباشرة، والاصطدام الدائم الذي يخلق حالة من التشنج، تضر بالفن وتحول الفعل الثقافي إلى مشاجرة لا تتوقف، فتضيع الثقافة وسط تلك الأجواء المشحونة ويتلاشى هدف تثقيف العامة. تناول الشاعر الإغريقي في فنه كل ما هو شائك أخلاقياً ودينياً وصادم للمجتمع، لكنه رغم ذلك كان يعمل على أن يحبب الفن إلى الجمهور لا أن ينفرهم منه، وكان يحرص على أن يربطهم به وجدانياً وحياتياً، حتى يصير الفن احتياجاً إنسانياً لا غني عنه، وهو كذلك بالفعل، وإلا لما بحث عنه الإنسان وأوجده على جدران الكهوف، وأخذ يصنع آلات الموسيقى من أعواد النبات وجلود الحيوانات.
الديثرامب ونشأة الدراما
من الديثرامب وأغاني باخوس، انبثقت الدراما، وكانت البداية من تلك الأناشيد التي ترددها الجموع تعبداً للإله ديونيسوس، إله الفن والخمر واللهو. كانت الجوقة تغني الأناشيد الديثرامبية وترقص على وقعها وهي تضع الأقنعة في طقوس دينية خالصة، وحتى بعد أن نشأت الدراما واتخذت شكلاً فنياً، ظلت جزءاً من طقوس الاحتفال بالإله ديونيسوس في عيد الديونيزيا.
قامت الدراما منذ البداية إذن على الجوقة، عندما اتخذ ثسبيس الخطوة الأولى في تحويل الديثرامب إلى ما يشبه الدراما، حيث أضاف «الممثل الأول» أو «المجيب» الذي وضعه في مواجهة الجوقة، ليحاورها ويرد على أسئلتها، بعد ذلك جاء إسخيلوس وأدخل الممثل الثاني إلى المأساة، ثم أتى سوفوكليس وأدخل الممثل الثالث. قام إسخيلوس خصوصاً في المرحلة الوسطى من أعماله، بتخليص المأساة من أن تكون مجموعة من الأناشيد فحسب، وقام بتقليص عدد الجوقة إلى 12 فرداً فقط، بعد أن كانت تتكون من خمسين رجلاً أو أكثر، يتحلقون حول مذبح الإله ديونيسوس. عاصر إسخيلوس وهو «أبو المأساة» فترة ميلاد الديمقراطية في أثينا، وشيوعها وتغلغلها في كل شيء حتى في الفن ذاته، وصار لازماً أن يحضر صوت الجموع في الدراما. وقد ارتبط أسلوبه المأساوي بالمشكلات الدينية والأخلاقية، حيث نشأ في مدينة أليوسيس وسط أجواء دينية وطقوس عبادة الإلهة ديميتر، فانعكس هذا التوجه الديني المحافظ على أعماله، كما أنه كان محارباً شارك في عدة معارك، وكان يشعر بالمسؤولية تجاه الوطن والشعب. نظم إسخيلوس خلال حياته ما يقرب من سبعين مسرحية، لم يصلنا منها سوى سبع مسرحيات فقط، ولم يفز بجائزة مباراة الدراما إلا بعد خمس عشرة سنة من التأليف. ورغم أنه كان خالق الحوار ومقيم أركان الدراما، إلا أن الجوقة ظلت تلعب دوراً كبيراً ومهماً في أعماله، وأفرد لها المساحات الواسعة، كما في مأساة أغاممنون على سبيل المثال، حيث الأناشيد الطويلة التي تلقيها الجوقة المكونة من شيوخ أرغوس.
أما سوفوكليس فزاد أعضاء الجوقة إلى 15 فرداً وقسمها إلى قسمين، يتألف كل قسم من 7 أعضاء بالإضافة إلى قائد الجوقة، الذي جعله يحظى بأهمية أكبر وجعله يتدخل كثيراً في الحوار باسم الجوقة، ويمكن القول إن سوفوكليس جعل قائد الجوقة ممثلاً من نوع خاص. ومع يوريبيديس خصوصاً في أعماله المتأخرة، ربما تقلص دور الجوقة قليلاً، لكن على الرغم من ذلك تعد الجوقة لديه من أقوى الأمثلة على ديمقراطية الدراما، وربما كان هو الكاتب الأكثر ديمقراطية، إذ كان يجعل الجوقة تضم الفئات الضعيفة أو المرفوضة كالعبيد مثلاً. انتقلت الجوقة، بعد أن كانت مجرد أناشيد غنائية، لا تحتوي على مضمون درامي كبير يرتبط بأحداث المسرحية ارتباطاً مباشراً، إلى أن تلعب دوراً رئيسياً في تطور الأحداث الدرامية، لا تكتفي بمجرد التعليق على الأحداث والمواقف، بل تدخل طرفاً فيها وكأنها شخصية من شخصيات المأساة.
كان الشاعر يستخدم الجوقة في المأساة لتوضيح بعض الخلفيات، أو الأسباب الغامضة التي تساعد الجمهور على الفهم والمتابعة والانغماس في القصة، وكذلك لتسليط الضوء على الدوافع والنوازع الخفية وراء الأفعال. يأتي صوت الجوقة كفواصل بين الأحداث، أو كمداخلات مهمة عند تطور درامي معين، لشرح بعض الأمور ووصف بعض المواقف، وكثيراً ما كانت تقدم الجوقة الشخصية الجديدة، التي تنضم إلى أحداث الدراما، كتقديمها لشخصية المربية في «مأساة هيبوليت» ليوريبيديس على سبيل المثال. وقد تقيم الجوقة حواراً مع بعض شخصيات المأساة، كالحوار بين الجوقة الثانية المكونة من الترويزنيات رفيقات فيدرا والمربية في مأساة هيبوليت أيضاً، حيث يسألونها عن مرض فيدرا وامتناعها عن الطعام لمدة ثلاثة أيام، كما تخاطب الترويزنيات فيدرا وتخاطبهم أيضاً. كانت الجوقة تعبر عن حزن الناس، أو صدمتهم أو خوفهم، كما أنها كانت تجذب الجمهور وتبقيه مشدوداً طوال الوقت، وكان ممكناً أن تقوم الجوقة بالتقديم للمسرحية وتضطلع باصطحاب الجمهور منذ البداية وحتى النهاية. ومن أهم وأجمل الأدوار التي كانت تلعبها الجوقة، هو التركيز على المعنى الإنساني، الذي يكمن في تفاصيل المأساة وأحداثها، المعنى المرتبط بالبشرية في كل زمان ومكان. في بعض العروض المسرحية الحديثة للنصوص الإغريقية، ربما يتم تجاهل الجوقة أو تقليص المقاطع الخاصة بها، ضمن إعادة صياغة النص، لكن عند قراءة تلك النصوص، فإن أحاديث الجوقة تعد من أمتع محطات المطالعة، وأكثرها إثارة للتأمل العميق.
الجوقة كممارسة ديمقراطية
في الدراما الإغريقية لا يحمل مصطلح «الجوقة» ذلك المعنى السلبي السائد اليوم، الذي يشير إلى الصوت التابع المردد لأفكار من يملك القوة والسطوة، والمجموعة التي تجسد الامتثال والطاعة الجماعية لما يملى عليها من أي سلطة كانت، سواء سلطة سياسية أو حتى سلطة فنية. كانت الجوقة صوت الجموع لا صدى صوت الفرد، أو السلطة، صحيح أن شاعر المأساة كان يكتبها بشكل منفرد، لكننا نجد فيها صوت الناس، كما نجد الأحداث وصوت الأبطال ومشاعرهم.
تعد الجوقة من أبرز الممارسات الديمقراطية في الدراما الإغريقية، ورغم أن أبطال تلك المآسي كانوا عادة من الملوك أو الآلهة أو القادة والشخصيات غير العادية، فالجوقة كانت تمثل الضمير الجمعي الذي يراقب كل شيء، وكانت تتكون من الشيوخ، أو النساء، أو العبيد، أو أهل المدينة أياً كانوا، فهي لم تكن مجرد خلفية غنائية وإنما كانت تجسيداً حقيقياً لروح الديمقراطية في أثينا القديمة. كان الكاتب لا يعبر عن صوته فقط، وإنما يعبر عن صوت الجموع، ويتعب قلمه بحثاً عن أدق درجات الوصول إلى تصور شعورهم وانفعالهم وردود أفعالهم تجاه هذا المشهد أو ذاك، ويضع على ألسنتهم كلمات الحكمة النابعة من الوعي الجمعي، التي تكون في كثير من الأحيان هي الكلمات الأكثر تأثيراً.
وجود الجوقة في الدراما يمنحها تعدداً أكبر في الأصوات، حيث لا يقتصر الأمر على أصوات شخصيات المأساة وحدها مهما تعددت، كما أنها كانت بمثابة نقاش علني حر واختلاف في الرأي. لم تكن الجوقة تتعاطف مع البطل التراجيدي طوال الوقت، بل كانت تعترض عليه، وتقف ضده أخلاقياً ودينياً وسياسياً، وتنظر إليه بخوف وارتياب أحياناً، وفي أحيان أخرى تحذره مما هو مقدم عليه، أو تدفعه نحو فعل معين، وكانت تغير موقفها مع تقلب الأحداث في بعض الأوقات، أو تتحرك بين فكرتين على سبيل المثال مترددة تائهة أو متأملة تبحث عن الحقيقة. كانت الجوقة تحاول أن تبطئ اندفاع البطل التراجيدي، الذي يخطئ ويسير نحو مصيره المحتوم، فعندما يكون البطل متهوراً فاقداً للرؤية، أو معمياً بالرغبة في الانتقام مثلاً، تتجلى في الجوقة حكمة الجماعة وتريثها، وهنا إشارة إلى أهمية الديمقراطية والتوازن الذي يصنعه رأي الشعب أمام جموح الفرد، وضرورة النقاش والتفكير المشترك، وكذلك الخطر الرهيب الذي يمكن أن يسببه فرد واحد فقط على استقرار وأمان المجتمع بأسره.
تكسر الجوقة فكرة البطل الفرد، أو الكاتب الفرد الذي يمتلك الحقيقة المطلقة، ويملي على الجميع ما يجب أن يفكروا فيه، لا يمكن القول إن الجوقة كانت تنتصر للجماهير دائماً، فهي لم تلعب دور البطولة، لكنها كانت مساحة مغايرة داخل الدراما، تناقش الصوت الفردي للبطل التراجيدي. كان شاعر المأساة يكتب على لسان الجموع بتخيل فني وأخلاقي لرأي المجتمع، ماذا سيقول الناس عند وقوع جريمة معينة أو خطيئة كبرى، أو عند نشوب حرب مثلاً، ولا يعني حرص الشاعر على إبراز صوت الجموع في مأساته، أنه كان يتبع العامة ويتملق الجمهور، بل إنه كان ينتقد تلك الجموع أحياناً. كما كانت الجوقة تتيح للكاتب العديد من الأمور، كأن يعبر عن رأي ما، من دون أن ينسبه إلى شخصية بعينها، أو أن يختبر تردد المجتمع أمام موقف أخلاقي ما، أو أن يعكس انقسام ذلك المجتمع ويظهر تناقضاته، تبدو الجوقة أحياناً أشبه بالمتفرج المثالي بما تبديه من ملاحظات وتعليقات وتحليلات فلسفية، لكنها على كل حال كانت ضمير الشعب ولسان الناس والصوت القوي المسموع.
كاتبة مصرية