مراقبون يرشون ماء باردا على احتفالية إسرائيل باحتلال قلعة الشقيف


الناصرة- “القدس العربي”: غداة احتلال قلعة الشقيف في جنوب لبنان، وتباهي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، يرش عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين الماء البارد على “المكسب العسكري التكتيكي والرمزي”، ويؤكدون أنه ليس إستراتيجيا، فيما دعا مستشار أمن قومي أسبق إلى تطبيق خطة جديدة مكونة من أربع نقاط لحسم حزب الله.

ويقول مستشار الأمن القومي سابقا البروفيسور يعقوب ناغل عن احتلال قلعة الشيف إنها نقطة حاكمة لها قيمة عسكرية تكتيكية ورمزية، لكن هذا لن يمنع حزب الله من استهداف تل أبيب أو طبريا بالصواريخ والمسيرات. وفي حديث للإذاعة الرسمية العامة صباح اليوم الاثنين، قال ناغل إن الجيش لا يمس بالأهداف التي تؤلم وتزعج حزب الله فعلا، وإنه ينبغي انتزاع الرغبة بمواصلة القتال من حزب الله، مقترحا خطة بديلة أكثر دموية وتدميرا تخلو من أي منطق للتسوية أو البحث عن حلول سياسية.

وتشمل خطة ناغل المقترحة أربع نقاط يعتقد أنها ستحقق الألم الرادع لحزب الله، وهي استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، واستئناف اغتيال قيادات الحزب، وتدمير ممتلكات كالبنوك والمرافق الاقتصادية، وتدمير البنى التحتية في لبنان.

وحول تطبيق الخطة يقول: “على الجيش أن يقوم بذلك سواء في لبنان أو إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. علينا تبليغ الأمريكيين لا استشارتهم بأننا شرعنا بتطبيقها. حزب الله لن يستسلم لكنه سيرتدع عند استخدام الخطة المذكورة. نحن في حرب متناسبة، فالعدو لديه أدوات، ومشكلتنا أننا نستغرق وقتا طويلا حتى نفهم أنها أدوات خطيرة كالأنفاق والصواريخ والمسيرات”.

وردا على سؤال عما إذا كانت الحكومة أو الجيش يملكون خطة أو إستراتيجية، قال ناغل إن إسرائيل حاليا تطارد المسيرات، وتابع: “لسنا مضطرين للبقاء على الأرض شمال الليطاني، فهذا يحولنا إلى أهداف سهلة، كالبط في دائرة الاستهداف. هناك حل للمسيرات وهذا يحتاج وقتا، ولكن لن يكون كاملا. بشأن إيران أصلّي ألا يتم الاتفاق الجاري الحديث عنه مع الولايات المتحدة لأنه سيئ جدا لإسرائيل”.

استمرار النزيف

ويشير عدد كبير من المراقبين والمحللين الإسرائيليين إلى استمرار النزيف رغم احتلال قلعة الشقيف والتصريحات العالية، ويدللون على ذلك بالقول إن نار حزب الله وصلت ليلة البارحة إلى نهاريا وعكا وطبريا للمرة الأولى منذ الإعلان عن اتفاق وقف النار الذي يبقى حاليا حبرا على ورق.

ويتفق هؤلاء على أن احتلال القلعة للمرة الثانية ينطوي على “مكسب عسكري ومعنوي لكنه لا يغير الواقع، أي أنه غير إستراتيجي”، ويذكرون بأن جيش الاحتلال كان هناك خلال حرب لبنان الأولى عام 1982 واحتل القلعة، ولكنه اضطر للبقاء 18 سنة نزف خلالها دما كثيرا.

ويعبر كاريكاتير صحيفة “هآرتس” عن تجريب إسرائيل المجرب، إذ يبدو فيه نتنياهو مقابل القلعة التي يرفرف فوقها علم إسرائيلي وعلم وحدة غولاني، وهو يسأل كاتس وزامير الواقفين إلى جانبه: “هل كانوا يمتلكون أسلحة رشاشة؟”.

ويتكاتب الكاريكاتير مع احتلال القلعة عام 1982، وتحديدا مع صورة مشهدية علقت بذاكرة الإسرائيليين عندما وصل رئيس حكومة الاحتلال الراحل مناحيم بيغن بمروحية إلى القلعة، وسأل وزير الأمن أرئيل شارون: “هل كانت بحوزتهم مدافع رشاشة؟ وهل استسلموا؟”.

وبذلك كان يقصد الاستفسار عن كيفية صمود الفدائيين الفلسطينيين (36 فدائيا) الذين دافعوا عن القلعة، واستشهدوا جميعا بعد 60 ساعة من القتال مقابل 1200 جندي إسرائيلي، وبعد قصف جوي مكثف للقلعة قبيل التقدم البري نحوها.

ورصدت كاميرا التلفاز الإسرائيلي الرسمي ملامح دهشة بيغن عندما أجابه شارون: “لا، لم يستسلم أي منهم”.

الحنين إلى الشقيف

ويؤكد المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل أن احتلال البوفور لا يغير المعادلة مقابل حزب الله، معتبرا أن الحنين الإسرائيلي إلى الشقيف قد أنسى فشل تلك الحرب السابقة وحشر جانبا ما فقدته إسرائيل هناك.

وفي ظل حرب تحولت فيها جبهة لبنان إلى حرب استنزاف مكلفة، يرى هارئيل أن عودة الجيش إلى الشقيف تطرح الآن وكأنها مختلفة هذه المرة، لكن العمليات في لبنان لن تزيل تهديد المسيرات التي تواصل ضرب جنودنا.

وتبعته زميلته محررة شؤون التربية والتعليم في الصحيفة نوعا ليمونا، ساخرة من العودة إلى قصة احتلال القلعة. ففي مقال بعنوان “أن نستيقظ أمس”، تستذكر الفيلم التشيكي “استيقظت في الأمس”، وفيه يعود معلم في منتصف العمر ضمن رحلة افتراضية في الزمن إلى سنوات دراسته في المرحلة الثانوية عام 1989، في محاولة للقاء فتاة أحلامه التي لم يمتلك الشجاعة للاعتراف بحبه لها آنذاك.

وتضيف: “المفارقة الكوميدية أنه يجد نفسه بجسد شاب ولكن بعقل وأفكار رجل في الأربعينيات من عمره، مما يخلق الكثير من المواقف الكوميدية والعبثية”.

أما المحلل السياسي البارز في صحيفة “يديعوت أحرونوت” ناحوم بارنياع، فيستخف هو الآخر من تباهي الساسة الإسرائيليين باحتلال القلعة، موضحا أنها تنطوي على دلالة عسكرية معينة كونها مشرفة على مستوطنات الجليل، لكنها لا تنتج اختراقا.

ويتابع: “كان هذا صحيحا عام 1982، والآن أقل صحة في 2026، فالمسيرات قادرة على الوصول إلى أهدافها دون أن يوجهها مطلقها من قمة مرتفعة. بقي الرمز في احتلال الشقيف، وهذا ينتمي إلى عالم العلاقات العامة والتسويق فقط، لا إلى عالم القتال”.

ويتطرق بارنياع إلى صمت المعارضة على ما يجري في جبهة لبنان بالقول: “يخاف بينيت ولبيد وأيزنكوت من اتهامهم بأنهم خونة وجبناء أو الأسوأ أنهم يساريون، فيصمتون”.

معضلة الشقيف

وتحت عنوان “معضلة البوفور” أو “الشقيف”، يؤكد المحلل العسكري البارز في موقع “واينت” العقيد رون بن يشاي أن احتلال القلعة هو “مكسب تكتيكي لكنه لا يساهم بحل المشكلة الاستراتيجية الحقيقية: تهديد حزب الله لشمال البلاد”.

ويتفق هو الآخر مع من يعتبر أن احتلال منطقة النبطية والقلعة يعزز الأمن، ويصعب على حزب الله مهماته، لكنه ينبه إلى أن ذلك يدخل إسرائيل والجيش في معضلة: “إن بقينا يعود التاريخ، حرب الاستنزاف، وهذه المرة دون مساعدة جيش لبنان الجنوبي، والجيش منتشر على عدة جبهات وينقصه 10 آلاف جندي. الخيار الثاني هو الانسحاب بعد اتفاق وقف للنار كما في خريف 2024، وعندها يعود حزب الله لقدرته على إطلاق النار كما كان، واستهداف نهاريا وعكا وطبريا في الليلة الفائتة دليل على ذلك”.

ويشير إلى وجود مشكلة أخرى مفادها أن الجيش بسبب قيود ترامب يتقدم ببطء ويخالف بذلك كل عقيدة عسكرية، محذرا من أن ذلك يمكن حزب الله من الاستعداد وجباية أثمان دموية، ويضيف: “هكذا تبدو حرب استنزاف وليس معركة هجومية نهايتها الحسم”.

الأمور بخواتيمها

وأضاف: “صدق نتنياهو بقوله إن هذا سيستغرق وقتا، لكن المشكلة أنه لا يوجد وقت في الوضع الراهن، حيث الجيش بلا حل للمسيرات ولا للصواريخ القوسية قصيرة المدى، وهذا ثمن ونجاح لصمود حزب الله”.

وكان بن يشاي قد أكد في مقال آخر أمس أن الرهان على القوة المفرطة لا يكفي، داعيا إلى التفكير بتسويات واتفاقات سياسية مع حكومة بيروت ومع كل الجوار العربي.

واليوم يوضح زميل بن يشاي، المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت” يوسي يهوشع، في مقال بعنوان “الحياة في الأدغال اللبنانية”، أن مقتل الجندي الأخير ليلة السبت نتيجة مسيرة يجسد الفجوة المركزية في معركة لبنان: “حتى عندما تتحقق مكاسب تكتيكية جوهرية، فإن حزب الله ما زال ينجح في جباية أثمان بعمليات محددة. لذلك فإن الحسم الحقيقي في هذه المعركة يمتحن فقط باليوم التالي وليس خلال القتال نفسه”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *