بعد ثلاثة أشهر من الحرب التي بدأت بضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بكيفية استمرار الحرب، بل بكيفية إعلان نهايتها. فالمؤشرات السياسية والدبلوماسية المتراكمة خلال الأيام الأخيرة تكشف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات أقرب إلى البحث عن مخرج سياسي يتيح له إعلان تحقيق أهدافه الأساسية، من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة، أو مواجهة إقليمية مفتوحة قد تتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على التحكم بمساراتها.
اللافت أن ترامب نفسه أصبح يتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي رافقت انطلاق العمليات العسكرية، ففي حين كانت التصريحات الأولى تتحدث عن تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، وتقويض البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف النفوذ الإقليمي لطهران، بات التركيز اليوم منصبا على إعادة فتح مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة الدولية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وفتح نافذة تفاوضية جديدة بشأن القضايا العالقة. وهذا التحول في الخطاب ليس تفصيلا عابرا، بل يعكس إدراكا أمريكيا متزايدا بأن تحقيق الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية الحرب ليس أمرا واقعيا.
فخلال الأيام الماضية أعلن ترامب أنه سيعقد اجتماعا في غرفة العمليات، لاتخاذ «قرار نهائي» بشأن تفاهم محتمل مع إيران، مؤكدا أن على طهران أن تتعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، وأن يعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وأن تتم إزالة الألغام البحرية من الممر الحيوي، لكن ما أثار الانتباه أكثر من الشروط نفسها هو، أن الاجتماع انتهى من دون قرار حاسم، رغم الحديث الأمريكي المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق. وهذا التردد يكشف أن ترامب لا يزال يبحث عن الصيغة التي تسمح له بإنهاء الحرب مع الحفاظ على صورة الانتصار السياسي أمام الرأي العام الأمريكي.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى بناء رواية متكاملة لهذا الانتصار. فترامب يريد أن يقول للناخب الأمريكي، إنه نجح في ما فشل فيه الآخرون: فرض وقف لإطلاق النار، وإعادة فتح أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن هذه الزاوية، فإن إنهاء الحرب لن يُقدَّم باعتباره تنازلا أمريكيا، بل باعتباره نتيجة مباشرة للضغط العسكري والاقتصادي الذي مارسته واشنطن خلال الأشهر الماضية. وازدادت أهمية هذه القراءة مع تسرب بنود من مسودة مذكرة التفاهم التي يجري التفاوض حولها بين واشنطن وطهران. فحسبما تداولته وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية وإيرانية، تقوم المسودة على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز، ومنح المفاوضين مهلة جديدة لمعالجة الملفات الأكثر تعقيدا، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، والأكثر إثارة للانتباه ما تردد عن إنشاء صندوق دولي استثماري ضخم لإعادة إعمار إيران وتطوير بنيتها التحتية، قُدرت قيمته بنحو 300 مليار دولار، سيتم دفعها من الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية، في خطوة تعكس انتقال التفكير الأمريكي من منطق الحرب والعقوبات إلى منطق الاحتواء الاقتصادي والسياسي. ورغم أن تفاصيل هذه البنود ما تزال موضع جدل بين الطرفين، فإن مجرد تداولها يكشف أن واشنطن لم تعد تبحث عن استسلام إيراني كامل، بل عن تسوية تسمح بإغلاق جبهة الحرب وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات الطويلة، وهو ما يفسر إصرار ترامب على تقديم الاتفاق بوصفه انتصارا للدبلوماسية المدعومة بالقوة.
لكن المشكلة أن الرواية الأمريكية تصطدم برواية إيرانية مختلفة تماما، فطهران تؤكد باستمرار أن التفاهمات المطروحة تتعلق بإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري والعقوبات، وليس بتفكيك برنامجها النووي، أو تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وقد وصف مسؤولون إيرانيون بعض تصريحات ترامب بأنها «خليط من الحقيقة والكذب»، واتهموه بمحاولة تصوير ما يجري على أنه انتصار أمريكي كامل، بينما تؤكد طهران أن العديد من القضايا الجوهرية ما زالت خارج أي اتفاق نهائي. وهنا تكمن العقدة الأساسية. فترامب يحتاج إلى إعلان نصر، وإيران تحتاج إلى إعلان صمود، ولذلك فإن الصيغة الأكثر ترجيحا هي تلك التي تسمح لكل طرف ببيع الاتفاق لجمهوره الداخلي بطريقته الخاصة. فواشنطن ستقول إنها فرضت على إيران العودة إلى التفاوض وفتحت مضيق هرمز وأوقفت تهديد الملاحة الدولية، بينما ستقول طهران إنها أجبرت الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري والاعتراف بها طرفا تفاوضيا أساسيا من دون التخلي عن ثوابتها الاستراتيجية. وإذا كان هذا التناقض قابلا للإدارة بين واشنطن وطهران، فإنه يثير أزمة حقيقية في إسرائيل، فالمعطيات الواردة من داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية تكشف حالة قلق متزايدة من الاتجاه الذي تسلكه المفاوضات، فقد نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين إسرائيليين خشيتهم من أن يقبل ترامب باتفاق مؤقت لا يعالج بصورة حاسمة ملف اليورانيوم المخصب، أو الصواريخ الباليستية، أو شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران. كما برزت انتقادات علنية من زعيم المعارضة يائير لابيد، الذي وصف الاتفاق الجاري بحثه بأنه «سيئ لإسرائيل وسيئ للمنطقة»، معتبرا أن حكومة بنيامين نتنياهو فقدت قدرتها على التأثير في القرار الأمريكي، بل إن بعض التقارير ذهبت أبعد من ذلك عندما تحدثت عن شعور متزايد داخل الأوساط الإسرائيلية بأن واشنطن انتقلت من منطق الحرب المشتركة إلى منطق التسوية الثنائية مع طهران، وأن إسرائيل باتت تقف على هامش عملية تقرير مصير الحرب التي شاركت في إشعالها. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة، لأن نتنياهو بنى جانبا كبيرا من إرثه السياسي على فكرة المواجهة الدائمة مع إيران، وعلى التأكيد أن القوة العسكرية هي السبيل الوحيد لمنعها من التحول إلى قوة نووية. أما اليوم فإنه يجد نفسه أمام احتمال أن تنتهي الحرب عبر اتفاق سياسي ترعاه واشنطن نفسها.
هذا هو السيناريو الأقرب للحدوث: لن يخرج ترامب ليعلن اتفاقا تاريخيا شاملا ينهي كل الخلافات الأمريكية الإيرانية دفعة واحدة، لأن الوقائع لا تسمح بذلك
لكن ما يجعل خيار التسوية أكثر إغراء لترامب هو الكلفة الاقتصادية العالمية للحرب، فإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفعت المخاوف من أزمة اقتصادية أوسع قد تطال الولايات المتحدة نفسها، وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن استمرار تعطيل الملاحة عبر المضيق يهدد أمن الطاقة العالمي، ويؤثر على أسعار الوقود والغذاء وسلاسل التوريد الدولية، لذلك أصبح فتح المضيق هدفا أمريكيا عاجلا لا يقل أهمية عن الأهداف العسكرية المباشرة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب التركيز الأمريكي على مذكرة التفاهم المطروحة حاليا.
وربما يكون هذا هو السيناريو الأقرب للحدوث: لن يخرج ترامب ليعلن اتفاقا تاريخيا شاملا ينهي كل الخلافات الأمريكية الإيرانية دفعة واحدة، لأن الوقائع لا تسمح بذلك، بل سيعلن على الأرجح أن أهداف المرحلة الأولى قد تحققت، وأن الحرب أنجزت مهمتها الأساسية، وأن الوقت حان لإعطاء الدبلوماسية فرصة. وسيقدم إعادة فتح مضيق هرمز، واستمرار وقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات نووية جديدة بوصفها إنجازات كافية لتبرير إنهاء العمليات العسكرية.
أما إيران فستقدم المشهد بطريقة معاكسة تقريبا، ستقول إنها صمدت أمام القوة الأمريكية والإسرائيلية، وأجبرت واشنطن على التراجع عن الحصار، ومنعت تحقيق أهداف الحرب القصوى، وحافظت على عناصر قوتها الأساسية. وهكذا سيخرج الطرفان معلنين النصر في الوقت نفسه، وهي ظاهرة ليست جديدة في حروب الشرق الأوسط التي كثيرا ما تنتهي بتسويات تسمح لكل طرف بصياغة روايته الخاصة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف سيعلن ترامب نهاية الحرب، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي لذلك الإعلان. فالقضايا التي أشعلت الصراع لم تُحل بعد: البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، ودور إسرائيل، وترتيبات الأمن في الخليج. وكل ما يجري الآن يشير إلى أن الحرب تقترب من نهايتها العسكرية، لكنها لا تقترب بالضرورة من نهاية أسبابها السياسية والاستراتيجية. ولهذا قد يكون إعلان ترامب نهاية الحرب مجرد بداية لمرحلة جديدة من الصراع، تُدار هذه المرة على طاولات التفاوض أكثر مما تُدار في ساحات القتال.
كاتب عراقي