أعلن الجيش الإسرائيلي، صباح أمس الأحد، السيطرة على قلعة الشقيف الاستراتيجية، التي تقع على مرتفع صخري بعلو 700 متر فوق سطح البحر يطلّ على نهر الليطاني وسهل مرجعيون ومنطقة النبطية كما يكشف مساحات واسعة تصل إلى شمال فلسطين المحتلة.
للقلعة تاريخ قديم جدا، فهي تعود للعصر الروماني، وكانت إحدى قلاع الصليبيين الذين زادوا في أبنيتها، ثم أضافت معركة 6 حزيران/ يونيو عام 1982 خلال حرب الاجتياح الإسرائيلي للبنان إلى محمولها الرمزيّ التاريخي حيث كانت واحدة من أولى المعارك في تلك الحرب، وقد زارها في اليوم التالي على المعركة رئيس وزراء إسرائيل حينها، مناحيم بيغن، مع وزير حربه أريئيل شارون الذي حاول الكذب عليه بالقول إن المواجهة «لم تسفر عن إصابات في الجانب الإسرائيلي» فرد عليه أحد الضباط بأنه فقد 6 من رفاقه في الموقع الذي كان شارون يتحدث فيه، ويصوّر فيلم وثائقي إسرائيلي هذه المواجهة عبر سؤال من بيغن لأحد الجنود إن كان أحد من المقاتلين الفلسطينيين في القلعة قد استسلم، فرد: «لم يستسلم أحد»، حيث استشهد المقاتلون الأربعة والعشرون المدافعون عنها جميعهم. تشكل القلعة، بهذا المعنى، إشكالية نفسية في الوعي العسكري والسياسي الإسرائيلي.
باجتيازها نهر الليطاني، الخط الجغرافي والاستراتيجي بالغ الأهمية، وباستيلائها على القلعة ذات الذكريات المريرة، مرة جديدة بعد حرب تموز / يوليو 2006، تستيقظ لدى حكومة إسرائيل، المهجوسة بالتوسع الدائم، الرغبة في تكريس خط أمنيّ جديد وبتوظيف الديناميّات الميدانية المستجدة في مجال السياسة، وخصوصا في ضوء المفاوضات الأمنية الجارية، والتي شهدت، السبت الماضي، جولة جديدة لها في مبنى وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون).
تبدو الجولة الأخيرة من المباحثات بين الطرفين في محور معاكس للتطوّر الأخير، ففي الوقت الذي دارت فيه المفاوضات حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ووضع آلية لمراقبة الهدنة، كان رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، يتحدث عن تنفيذ هجمات واسعة النطاق «في مختلف أنحاء لبنان» وينشر جيشه إنذارات إخلاء لمئات الآلاف من المدنيين، ويتحدث وزير حربه عن أن المعركة لن تنتهي بالسيطرة على قلعة الشقيف، وأنها ستكون «ضمن المنطقة الأمنية» في لبنان، في إشارة إلى توسيع ما يسمى «الخط الأصفر» ليضم نهر الليطاني وهي خطوة قد تتبعها خطوات أخرى مع ازدياد التوغّل الإسرائيلي شمالا.
يتزايد هذا الفارق بين أهداف لبنان من مفاوضاته مع إسرائيل، وأهداف التوسع العسكريّ الأخير لجيشها، مع إعلانات المستوى السياسي الإسرائيلي التي يفهم منها «الضمّ» والقضم العسكريّ المتواصل لأجزاء أكبر من لبنان، ويستشكل الأمر أكثر مع إعلان تل أبيب الصريح عن حصول هذه الهجمات «بالتنسيق مع أمريكا»، التي يفترض أنها الجهة الراعية للمفاوضات، مع إعلانات أخرى تنشرها وسائل إعلام عن أن واشنطن «تضع قيودا» على التحرّكات الإسرائيلية!
إحدى المفارقات الكبيرة الأخرى في هذا الشأن أن استخدام إسرائيل كل جبروتها الاستخباري والعسكري في لبنان تحت دعوى «تدمير حزب الله»، وفصل الملفّ اللبناني عن الملف الإيراني، تقوم عمليا بإضعاف كبير للدولة اللبنانية، وهو ما يُعيد بالضرورة ربط «ملفّ حزب الله» بالحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وبإقفال إسرائيل (وأمريكا من ورائها) إمكانيات الدولة اللبنانية على التفاوض، فإنها تجعل مصير لبنان، معلّقا، أكثر فأكثر بمآلات المفاوضات الأمريكية – الإيرانية.
تضع إسرائيل لبنان على طاولة المفاوضات الإقليمية بصفته موضوعا للتشريح، والاجتزاء، والتنكيل، أما الموافقة الأمريكية الضمنية على ما يجري فهي تأكيد للأمر وليس العكس.