مهرجان العودة السينمائي يكسر الحصار ويصعد للعالمية في دورته العاشرة


خلال عشر سنوات من الدأب والإصرار على النجاح، استطاع مهرجان العودة السينمائي برئاسة المخرج سعود مهنا أن يتجاوز حدوده الإقليمية في مدينة غزة ليصل في زمن قياسي برغم انعدام الإمكانيات وعدم وجود مصادر للتمويل، إلى محطات دولية وعالمية.
لقد اجتذب المهرجان اهتمام وسائل الإعلام ليس العربية فحسب وإنما فرض احترامه على مُعظم الوسائل الإعلامية في العديد من الدول الآسيوية والأوروبية، حيث لفتت حالة التحدي نظر مُحبي السينما في الدول المُساندة والداعمة للقضية الفلسطينية العادلة.
كانت تلك النقطة المحورية هي بذرة نجاح الدورات وتواليها، خاصة الدورات الثلاث الماضية التي جرى تنظيمها وسط ركام الهدم والدمار اللذين خلفتهما الحرب الطاحنة، فزاد ذلك من إعجاب الملايين في العالم بصمود القوة الناعمة الفلسطينية وتصديها لكافة المعوقات التي أوشكت أن تحول دون رغبة المُنظمين للمهرجان للوصول لغايتهم في حماية مهرجانهم واستمراره على النحو المُجدي والمُفيد.
في البداية كان الاهتمام الإعلامي مقصوراً فقط على بعض المحطات الفضائية الفلسطينية دون غيرها من المحطات العربية الأخرى، اللهم إلا القليل منها الذي نقل في دورات سابقة مشاهد موجزة ومُختصرة من الفعاليات الرمزية لحفلي الافتتاح والختام.
لكن بعد مرور فترة على إقامة الدورات ورسوخ المهرجان كحدث ثقافي سينمائي مدعوم من الجماهير العربية، بدأت أنباء النجاح تتطاير عبر الصُحف ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية، فأصبح الوجود الفعلي للمهرجان الذي يرفع شعار انتظار العودة عودة أمراً واقعياً لا ريب فيه ولا حيلة لأحد في إيقافه وتعويقه.
ويعود الفضل في المحافظة على هوية المهرجان السينمائي الفلسطيني الاستثنائي في غزة إلى رئيسه سعود مهنا الذي حارب من أجل بقائه مع بقية المُنظمين والجهات الداعمة لوجستياً، كجامعة فلسطين وجمعية الإنسان التنموية واتحاد المرأة الفلسطينية والسفارة بطاقمها الإعلامي والإداري بالقاهرة.
لم يكن استمرار الدورات العشر بهذا الثبات أمراً يسيراً، بل بذل العاملون على تنظيم الفعاليات جهوداً شاقة لتوفير الحد الأدنى من الإمكانيات للحيلولة دون التوقف، فقد تم التعامل مع الحدث الثقافي السنوي بوصفه رمزاً للمقاومة السلمية وبياناً عاماً لكل العالم يحمل مبادئ السلام في وجه دُعاة الحرب، وهذا ما أثار حفيظة الكيان الصهيوني فعمل مراراً وتكراراً على تطويق مناطق الاحتفال في غزة والمُدن والقرى الفلسطينية الأخرى التي تفاعلت مع المناسبة وأخذت في الترويج لها بتنظيم احتفالين رمزيين للافتتاح والختام في كل دورة.
ويُمكن الجزم بعد مرور عشر سنوات كاملة من عمر مهرجان العودة السينمائي الفلسطيني الفريد في نوعه وتكوينه وأدائه، بأنه استطاع بكل ثقة أن يفرض إرادته ويواصل مسيرته الفنية برغم كل التحديات والمعوقات المالية والأمنية والتنظيمية، ويكفي أنه المهرجان الوحيد في العالم تقريباً الذي تُقام له عدة مراسم احتفالية في العديد من العواصم العربية والأوروبية في توقيتات مُختلفة بُمباركة شاملة من رؤساء الدول الصديقة والهيئات الثقافية والدبلوماسية.
وبالقطع كانت القاهرة بقطاعاتها الثقافية المعنية حاضرة بقوة في المشهد الاحتفالي، فقد تبنت جمعية الفيلم برئاسة مدير التصوير محمود عبد السميع تنظيم حفل توزيع الجوائز بالتنسيق مع صندوق التنمية الثقافية ومركز الإبداع بدار الأوبرا بعد موافقة وترحيب كاملين من وزارة الثقافة والجهات الرسمية المصرية.
وفي هذا الإطار تمت دعوة نخبة من كبار النجوم والفنانين والمُهتمين بالحركة السينمائية من النُقاد والصحافيين لتغطية الحفل بما يلائم حالة الصمود والإصرار ويؤكد الدعم المصري الشعبي والحكومي للنهوض الثقافي الفلسطيني وحماية حق المُمارسة الطبيعية في التعبير عن الهوية الفلسطينية بكل أشكالها الحديثة والتراثية والفولكلورية.
كما أعربت بعض الدول العربية الشقيقة عن نوازعها الطيبة تجاه الشعب الفلسطيني وثقافته، بوقوفها جنباً إلى جنب مع المهرجان المذكور، بنقل فعالياته وإحداثياته لحظة بلحظة عبر محطاتها الفضائية ومراسليها المؤمنين بعدالة القضية وحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والاجتماعية والثقافية وعلى رأسها حق الاستقلال وتقرير المصير بدون قيد أو شرط.
وربما ترجمت الدول العربية والأوروبية والآسيوية والأفريقية الداعمة مشاعرها الإيجابية بإرسال أعداد وفيرة من أفلامها للمُشاركة، سواء التسجيلي أو القصير أو الوثائقي أو الروائي الطويل، ليس طمعاً في الجوائز المالية، وإنما رغبة في المشاركة فقط لا غير، فالمهرجان لا يُقدم جوائز مالية ولا عينية، وإنما يكتفي بمنح الأفلام الفائزة شهادات تقدير يتسلمها المخرج أو السيناريست أو أي من صُناع العمل وسط حفاوة بالغة وتقدير للنشاط الإبداعي غير الهادف إلى الربح، فمعظم الأفلام التي شاركت والبالغ عددها 356 فيلماً من 39دولة غلب عليها الطابع التثقيفي وتنتمي لنوعيات غير تجارية وربما هذا ما يميزها عن بقية المُصنفات والأفلام الأخرى.
وحصلت مجموعة كبيرة من الأفلام على عدد من الجوائز ونال أصحابها شهادات تقدير رمزية كنوع من التشجيع والتحفيز، وتم رصد جائزة خاصة باسم المخرج الراحل داود عبد السيد ذهبت لفيلم «أدهم» للمخرجة الشابة إيمان حاتم عبيد، بينما حصل الفيلم العراقي «الكمال الأحمر» للمخرج حمد عبد الأمير الشمري على جائزة مفتاح العودة كأهم فيلم يتحدث عن واقع المرأة العراقية وقضاياها الخاصة.
وحول التجارب الاستثنائية للذكاء الاصطناعي في المجال السينمائي حصل الفيلم الفلسطيني «ما قبل الغروب» للمخرج حمزة زيود على جائزة مفتاح العودة كحالة إبداعية خاصة ومُختلفة.
وانفردت السينما المصرية بفوز آخر مُمثلاً في حصول أدهم محمد بطل فيلم «خطأ ليلى» للمخرج حسين عواد على جائزة أحسن ممثل.
أما جائزة أحسن ممثلة فقد كانت من نصيب المُمثلة البحرينية شيماء رحيمي عن دورها في فيلم «جوز» للمخرج محمود الشيخ، ومن جانبها نالت المملكة الأردنية الهاشمية حظها من الفوز بحصول فيلم «طعم بعد منتصف الليل» للمخرج محمد الزبيدي على جائزة أحسن تصوير، في الوقت الذي حصل فيه الفيلم الفلسطيني على جائزة مفتاح العودة كأحسن فكرة سينمائية للمخرج أحمد طارق حمد.
وفي السياق الاحتفالي بالدورة العاشرة للمهرجان الدولي الصاعد قدمت فرقة سلام الغنائية لكورال الأطفال الفلسطينيين بعض الأغاني التراثية الحماسية التي قوبلت بترحيب شديد من الحضور وتصفيق حار للمواهب الشابة التي تُمثل مستقبل الدولة الفلسطينية وغدها المشرق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *