بلدة العلم وعاصمة إمارة الشوف


بيروت ـ «القدس العربي»: عاصمة الشوف الثقافية وقرية مشايخ العقل، محط أنظار الباحثين والناشطين البيئيين بسبب تنوعها البيولوجي وثرائها البيئي النادر ما جعلها مركز جذب للسياحية البيئية والريفية في قرى قضاء الشوف نظراً لقربها من محمية أرز الشوف الطبيعية ومن مرج بسري، إنها بلدة عماطور إحدى القرى اللبنانية الجميلة التي تجمع بين الأصالة التاريخية والطبيعة والروحانية والعلمية بطريقة مميزة جداً. إنها بلدة العلم والعلماء لا وجود «للأمية» فيها، لأن نسبة المتعلمين هي مئة في المئة وهم من حملة الشهادات الجامعية والأكاديمية والدراسات العليا. زيارتها تأخذك إلى رحلة ممتعة لا مثيل لها في عمق التاريخ والحضارات والعلم وسحر الينابيع والأماكن الطبيعية، معها ستكتشف الهوية الأصيلة للبلدة بطيبة أهلها وأخلاقهم الحميدة وبعناية وخدمات راقية تضمن لك الراحة والمتعة في آن معاً.

موقعها الجغرافي وتسميتها

بلدة عماطور هي من قرى قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان، تقع في قلب الجبال الخضراء الساحرة وتحتل صدر الشوف الأعلى متربعة على أجمل موقع مشرف على مرج بسري، تعلو عن سطح البحر بين 850 و1000 متر في قممها وتبعد عن العاصمة بيروت نحو 55 كلم للوافدين من الدامور وبيت الدين وجديدة الشوف و85 كلم عبر صيدا، جزين، باتر عماطور.
وتمتد عماطور على مساحة تُقدَّر بـ 585 هكتاراً وتحيط بها بلدة بعذران من الشرق وحارة جندل وجبلين وباتر وصولاً إلى قضاء جزين من الجنوب، وتمتد أراضيها المحلية باتجاه الغرب نحو بلدات الكحلونية ومزرعة الشوف وبسابا، أما من الشمال فتحدها بلدتا عين قني والمختارة، وتضم البلدة الجزء الأكبر من مرج بسري المعروف بمراحله وهُدُبه الزراعية والطبيعية.
بحسب الكتب والمراجع التاريخية فإن إسم البلدة مشتق من السريانية «عين ماء الطور» ومعناه «عين ماء الجبل»، نظراً لوفرة المياه والينابيع فيها والتي تبلغ نحو 365 نبع ماء على عدد أيام السنة، كما تعني تسمية عماطور «أصل الجبل وساكنوه».

عماطور في التاريخ

لبلدة عماطور جذور ضاربة في التاريخ، إذ تأثرت بسبب موقعها الجبلي بتعدد الثقافات عبر العصور وبتعاقب حضارات عدة منها الفينيقية والرومانية والبيزنطية والعصر الإسلامي والعهد العثماني وصولاً إلى النهضة الثقافية الحديثة، وشهدت على تحولات كبرى إذ كانت جزءاً لا يتجزأ من المشهد التاريخي لإمارة الشوف التي لعبت دوراً أساسياً في الحياة السياسية والاجتماعية.
وشهدت البلدة تأثيرات الحضارة الفينقية التي اشتهرت بالتجارة والبحر، وخضعت للحكم الروماني فاستفادت من أساليب البناء والطرقات القديمة، كما تأثرت لاحقاً بالحضارة العربية الإسلامية التي ساهمت في ازدهار اللغة والثقافة، وكانت عماطور خلال العهد العثماني منذ سنة 1711 من القرى ذات «الوضع الخاص» في جبل لبنان، فكانت تدفع الضرائب مباشرة للسلطة المركزية، وتركت هذه المرحلة بصمتها في العمارة والحياة الإدارية، إلى حين وصول النهضة الثقافية الحديثة التي نعمت فيها بالعلم والأدب والهجرة وببروز عدد من المثقفين والمتعلمين.

بيوتها ومعالمها التراثية والطبيعية

تمتاز بلدة عماطور بمواقعها السياحية الطبيعية وبتنوعها الروحي التاريخي والتراثي، فهي تقع على سفح جبل، وسط غطاء نباتي خلاب مكون من أحراج سنديان وملول، وتحتضن في أرجائها مقامات دينية وكنائس تراثية وخلوات كونها تعرف تاريخياً بأنها «بلدة الموحدين» كما تمتاز بأنها نموذج راقٍ من العيش المشترك بين أبنائها من الموحدين الدروز والمسيحيين من الطائفة المارونية ومن الروم الملكيين الكاثوليك والذين تربطهم علاقات مودة تاريخية ومصاهرة وجيرة حسنة، وهذا التنوع الطائفي جعل أهل البلدة منفتحين ومرحبين بكل زائر، وغرس فيهم روح التسامح وقبول الآخر.
وتضم عماطور آثار أعمدة من الغرانيت الأسود تعود لبقايا معبد قديم يقع في مرج عماطور جسر البليط جنوبي البلدة.
أما أجمل طريق إلى قرية عمّاطور عبر القرى المجاورة، عندما كانت البلدة عبارة عن ممر من صيدا إلى جبال الشوف، هو طريق مرج بسري الذي يمر بالشوف السويجاني بمعبر تاريخي يسمى معبر المزرعة، ويسميه أبناء مزرعة الشوف المعبر الروماني، وهو عبارة عن شاهق صخري يعلو 60 متراً ويعتبر الأهم بين المعابر الجبلية ولا مثيل له إلا معبر العاقورة.
ويتميز هذا المرج بجمال طبيعي استثنائي وتنتشر فيه المراعي والحقول الزراعية والأنهار الموسمية التي تتدفق شتاءً وربيعاً.
كما تمتاز عماطور بطبيعتها الخضراء والأحراج المحيطة بها والتي تشكّل متنفسًا بيئيًا رائعًا لمحبي المشي والطبيعة، وتقع بالقرب من البلدة محمية أرز الشوف التي هي من أهم المعالم البيئية والسياحية في لبنان، وتضم غابات أرز تاريخية ومسارات للمشي والتنزه ومشاهد بانورامية خلابة.
ولتنشيط الحركة السياحية والسير في الطبيعة افتتحت بلدية عماطور مطلع السنة مسار «درب القطلب» وهو مسار بين غابات من شجر القطلب التي يعود عمرها إلى مئات وآلاف السنين في حرج عماطور، وكانت أشجار القطلب مهددة بالانقراض من الطبيعة والذاكرة لكن البلدية حوّلتها إلى مقصد وكنز للسياحة البيئية.
أما بالنسبة إلى بيوتها فهي لا تزال تحتفظ ببعض البيوت النموذجية التي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر وتمتاز بطابعها القروي الأصيل، والتي تعبّر عن العمارة اللبنانية التقليدية، كما تكثر فيها البيوت التراثية ذات القناطر الحجرية والنوافذ المزخرفة وسقوفها القرميدية، وتحتوي بعض هذه البيوت التراثية التقليدية على قناطر داخلية وأسطح خشبية مزخرفة وغرف استقبال كبيرة وآبار مياه تحت الأرض، وكانت تُبنى من الحجر الكلسي الأبيض الذي يميّز عمارة الشوف.
واستناداً للروايات المتداولة، فقد كان في كل حي من البلدة بيت يُعرف بأنه «بيت الضيافة» يأوي الغريب وابن السبيل من دون سؤال، وهذا ما يعكس بوضوح ثقافة الكرم الجبلي عند أبناء عماطور، ومن الألقاب التي كانت تطلق أيضاً على أبناء عماطور وفقاً للروايات الشعبية المتوارثة لقب «الديوك المزهرة» في إشارة واضحة إلى شجاعة أهل البلدة ونخوتهم.
وتنعم عماطور بوفرة المياه والينابيع فيها إذ تبلغ نحو 365 نبعاً على عدد أيام السنة، وكان الأهالي يستبشرون خيراً بوفرة المياه فيها، واصفين إياها بأنها «نعمة وبركة» تحمي البلدة من الجفاف الأمر الذي حفز كبار السن في البلدة على القول المأثور «ما بتنشف عماطور لأن الميّ مباركة فيها» فضلاً عن قول آخر «المية بعماطور ما بتخلص».
وتنتشر في البلدة الينابيع الطبيعية التي تغذي الأراضي الزراعية وتؤمن المياه للسكان، ومن أبرز العيون المشهورة فيها هي عين العريش وعين الفقر وينابيع الوادي السفلي.

رجالات عماطور

تمتاز بلدة عماطور بأنها قرية مشايخ العقل وعاصمة الشوف الثقافيه وآخرهم الشيخان محمد عبد الصمد ومحمد أبوشقرا الذي لعب دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر السياسية والوطنية خلال حقب مفصلية وتاريخية صعبة في لبنان، وتسلم منصب شيخ عقل الطائفة في عام 1949 وظل فيه حتى وفاته في عام 1991، وجاء الشيخ إلى مقامه في ظروف دقيقة كان يمر بها لبنان من بينها الحرب الأهلية، لكنه ترك بصمات لا تمحى من تاريخ بني معروف على الرغم من كل هذه الظروف.
ومن الإنجازات التي وضعها الشيخ فور انتخابه برنامج عمل لترتيب شؤون البيت الدرزي وإطلاق نهضة روحية وخلق المؤسسات الحيوية للطائفة، وارتبط اسمه بثلاثة إنجازات كبيرة بقيت من بعده، دار الطائفة في فردان في العاصمة بيروت والمؤسسة الصحية في عين وزين وقرية المعروفية بين الشويفات وعين عنوب.
ويعتبر أبناء عماطور من أكثر الرجالات انفتاحاً وثقافة وتنوعاً وبرز فيها العديد من الشخصيات التي تبوّأت مناصب عدة في الدولة وخارجها في الشوف الأعلى، ناهيك عن رجال السياسة ورجال الدين والكتاب والأطباء والإعلاميين والمزارعين والمهندسين والقضاة والمحامين والشعراء والمثقفين والفنانين. ومن بين رجالاتها البارزين الطبيب يوسف عبد الصمد وهو أول طبيب جراح أسنان في لبنان، تلقى علومه الابتدائية في المدارس المحلية وسافر إلى الاسكندرية بقصد التجارة فاستهواه العلم ودخل إحدى مدارسها وأكمل علومه الثانوية ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودخل جامعة شيكاغو فتخرج فيها طبيباً في جراحة الأسنان، وعاد إلى الاسكندرية يتعاطى الطب فعُين طبيباً خاصاً للخديوي عباس حلمي مع الطبيب الجراح جيمس لوف، ثم عاد إلى بلده لبنان في عام 1906 وأنشأ عيادة لطب الأسنان هي الأولى في صيدا وحاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت عدة مرات بناء على طلب الدكتور غراهام.
ومن الشخصيات السياسية البارزة في عصرنا الحالي الوزيرة منال عبد الصمد، التي تولت وزارة الإعلام في حكومة الرئيس حسان دياب منذ 21 كانون الثاني/يناير 2020 لغاية 9 آب/أغسطس 2020، درست القوانين المالية في الجامعة الأمريكية في بيروت وحصلت على ماجستير إدارة الأعمال، تابعت دراساتها في جامعة باريس 1 بانتيون سوربون في باريس وحصلت على الدكتوراه في القانون.
ومن الأسماء اللامعة في البلدة الممثل بديع أبو شقرا صاحب الأعمال الدرامية التلفزيونية المميزة والأعمال المسرحية والسينمائية، يحمل الجنسية الكندية هو وشقيقته الفنانة حنين ابو شقرا.

زراعتها ومناخها

اعتمد أبناء البلدة على الزراعة وعلى تربية المواشي، خاصة في سهول مرج بسري والوديان المحيطة، وتشتهر عماطور بانها بلدة الزيتون والعنب والتين والتفاح، وتكثر فيها أشجار الزيتون المعمرة والتي يعود عمرها إلى مئات السنين، ويولي أبناؤها الأراضي الزراعية أهمية قصوى إذ تراهم متعلقين بأرضهم على الرغم من تحصيلهم العلمي، وتنعم البلدة بوفرة محاصيلها إذ إن 90 في المئة من أراضي عماطور مزروعة بالزيتون ويوجد نحو 5 آلاف كعب زيتون على الأقل، ويبلغ الإنتاج فيها في المواسم العادية نحو 3 آلاف صفيحة زيت زيتون، كما تعتمد على حرج الصنوبر الجوي المثمر والذي يفوق عدده الـ 5 آلاف شجرة صنوبر.
وتعد عماطور من أغنى القرى خراجاً ومالاً في الجبل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث انتشرت فيها معاصر العنب والزيتون ومحلات الصباغة والحياكة ومنشآت صناعية وحرفية.
كما تعتبر بلدة اصطياف بامتياز لما تتمتع به من مناخ معتدل وهواء نقي يجعلها مقصداً للعديد من الزوار في موسم الصيف هرباً من حرارة المناطق الساحلية. وأكثر ما يميز أبناء البلدة هو إقبالهم باكراً جداً على العلم مع إنشاء أول مدرسة فيها في عام 1870 وافتتاح أول مدرسة رسمية في المنطقة لم تعلّم أبناءها فقط، بل معظم المقبلين على العلم في محيطها آنذاك، وانها من البلدات القروية النادرة التي تجد فيها نسبة العلم لدى أبنائها 100 في المئة وهم من حملة الشهادات الجامعية والأكاديمية والدراسات العليا في اختصاصات متنوعة ولذلك عرفت بأنها «بلدة العلم والعلماء».
ومن الاحتفالات الثقافية القريبة المنتظرة هو مهرجان السينما «Cabriolet films Festival» الذي تشهده البلدة للمرة الأولى كما أعلن الممثل بديع أبو شقرا إبن البلدة، ويتزامن هذا المهرجان مع عيد الأضحى المبارك حيث ستنظم البلدية في المناسبة عينها احتفالاً ثقافياً فنياً رياضياً ترفيهياً في 5 و6 و7 حزيران/يونيو المقبل «يشمل مسار مشي في دروب البلدة للتعرف على جمالها مع ترويقة جبلية على الصاج مع وقفات موسيقية ونقاشات تثقيفية حول الزراعة وجناح خاص لعرض المنتوجات المحلية والحرف اليدوية وسهرات وموسيقى بعد عرض الأفلام» حسب ما أعلنت رئيسة لجنة الثقافة والفن والإعلام وعضو المجلس البلدي المخرجة دانا عبد الصمد عبر الحساب الرسمي لبلدية عماطور على «إنستغرام» في إعلان ترويجي مع إبن البلدة الممثل بديع أبو شقرا الذي دعا بدوره الجميع إلى المشاركة في هذا المهرجان الفني الترفيهي الثقافي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *