السرد الوجداني بوصفه علماً ما بعد كلاسيكي


أولى أرسطو المشاعر عناية وهو يتحدث عن محاكاة المأساة للحياة، وصنَّف الناس إلى سعداء وغير سعداء. ورأى أن الإحساس بالخوف والرحمة يظهر حين يواجه المرء أفعالا تطرأ فجأة وعلى غير انتظار منه. ولقد ترك اكتراث أرسطو بالمشاعر الإنسانية أثرا في الفلسفة القديمة ومن بعدها الفلسفة الحديثة، فكان لديكارت اهتمام خاص بالمشاعر من ناحية تعارضها مع العقل. وكان لبزوغ المذهب الرومانسي دور مهم في أن تتصدر العواطف ميادين الفلسفة ويكون لها موقع يضاهي ما لها في الأدب والطبيعة والحياة من تأثيرات مركزية. وكان لصعود الفن الروائي في القرن التاسع عشر على يد الكتّاب الكبار أن دفع النقاد إلى دراسة العواطف من نواح بيولوجية ونفسية واجتماعية. وعلى الرغم مما خصصه منظرو الرواية في القرن العشرين من مساحة لدراسة العواطف، فإنها لم تكن كافية لأن تتطور في شكل نظرية سردية تُعنى بالأنظمة العصبية والادراكية وعمل الذاكرة واللغة وغير ذلك.
هذا ما تنبه له بعض علماء السرديات ما بعد الكلاسيكية، فتوجهوا بشكل مقصود نحو التنظير لها من خلال علم جديد هو «علم السرد الوجداني Affective Narratology» ولم تكن مرجعياتهم في هذا المجال بالكثيرة. ولعل كتاب الروائي الكندي جاك هوديغنز «الشغف بالحبكة: دليل لكتابة الرواية»، 1994، واحد من أهم تلك المرجعيات. ومما أخذه هودينغز على مدارس السرد انها ترى دراسة العواطف أمرا غير اعتيادي، بل إن لا مكان لها في المعاجم والقواميس.
ولقد استند منظرو علم السرد الوجداني إلى مرجعيات عدة في مقدمتها دراسات البرتغالي انطونيو داماسيو وكتابات بير توماس اندرسن وروبرت سي سولومون وغيرهم.
وإذا ما بحثنا في التراث السردي العربي عن أول سردية وجدانية مكتملة القالب إجناسيا كقصة طويلة، فسنجدها ممثلة في كتاب «طوق الحمامة في الالفة والالاف» لعلي بن حزم الاندلسي، وفيه يتخذ السرد الوجداني طريقة التوالي السردي حيث كل قصة (خبر) منفصلة عن غيرها لكنها متصلة بها فنيا من ناحيتي الثيمة والبناء الفني. وكان المؤلف وهو المتكلم في السرد قد اتبع تقاليد السرد العربي وفي مقدمتها ان يكون للمخاطب حضور مؤكد ودور مباشر بوصفه هو المحرض الذي كلف المؤلف إنشاء كتاب في الحب ومعانيه وأعراضه وصفاته المحمودة والمذمومة. فأما المحمودة فتتمثل في المساعدة والوصل وطي السر والكشف والإطاعة والمخالفة والقنوع والوفاء. وأما المذمومة فتتمثل في العذل والرقابة والوشاية والهجر والمعصية.
وابتدأ ابن حزم سرده مخاطبا قارئه (أعزك الله) وهو يعرِّف له الحب بأن «أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس الحب بمنكر في الديانة ولا محظور في الشريعة إذ القلوب بيد الله عز وجل». وعلى الرغم من أن ابن حزم لم يستعمل لفظتي المشاعر أو العواطف، فانه كان مأخوذا بالبعد النفسي لعاطفة الحب، واستند إلى مرجعيات فلسفية ودينية وأدبية؛ فاستعاد أقوال أفلاطون ونصوص التوراة وأشعار إبراهيم بن سيار كما سرد حكايات، أكد انه سمعها من غيره، وهي تعضد الطابع الواقعي لسرده.
وشهد السرد الوجداني طفرة نوعية في العصر الحديث على يد دوستويفيسكي برواياته التي فلسفت المشاعر الإنسانية على وفق منظور فني يعبر عن صور سايكوباثية معقدة عن الطبيعة البشرية كما في رواية «الجريمة والعقاب» و«مذكرات من تحت الأرض»/ وفيهما يتحدث عن الرغبة الفاضلة، ورواية «مذكرات من البيت الميت» وهي عن روح الشر التي تتحكم بالبشر، بيد ان رواية «نيتوتشكانزفانوفنا» تعد الأوضح في هذا المجال، وهي تسرد بضمير الأنا على لسان الفتاة نيتوتشكانزفانوفنا التي تواجه عالما غريبا بالفطرة السليمة مما يكون سببا في نجاتها «أحب أن أتصرف تصرفا يرسلني إلى أبعد مكان مكين فينتهي كل شيء».
ويكثر الروائي من كمية المشاعر المتدفقة في تيار السرد الذاتي مثل (الانتقام، الغضب، العجب، الاستياء، الدهشة، الكره، البكاء). وفي كل هذا التدفق تبدو الشخصية المحورية مدركة تمام الإدراك لفاعلية عواطفها وعواطف من يحيط بها. لا تضيق ذرعا بتخبط انفعالاتها ولا تفرط في التعبير عن عواطفها وكأنها في ذلك تملك موهبة خاصة تتحدد في الحاجة إلى الحب «لقد فهمت أنا عواطفك فحاول ان تفهم أنت عواطفي».
من جماليات توظيف تقانة الاستباق الزمني انها تهيئ المتلقي لأن يكون مشاركا نفسيا في تطور المشاعر وطبيعة تقلب الأحداث السردية، «سأروي لكم الآن كيف وقعت ولكن لا بد لي قبل كل شيء أن أذكر ماذا كانت طفولتي وماذا كان بالنسبة لي ذلك الرجل الذي خلف في عواطفي الأولى أثرا مؤلما إلى هذا الحد».
ويتوزع السرد الوجداني في هذه الرواية بين الملاطفة الأبوية وقسوة الأمومية؛ فالأب كان شقيا معذبا، وكانت ابنته التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها تحبه أكثر من والدتها «كان حبي لأبي ـ والأفضل أن أقول هيامي بأبي لأنني لا أعرف كلمة قوية تستطيع أن تعبر تعبيرا كاملا عن هذه العاطفة الجارفة التي كانت تعذبني وتدفعني نحو أبي دفعا – أقول كان هيامي بأبي يشتد ويشتد حتى أصبح نوعا من الهوى المرضي. على أن فتور عاطفتي نحو أمي كثيرا ما يسبب لي حزنا أشبه بالعذاب».
وكان لفاجعة فقد أبيها وأمها معا أن تجددت عواطفها تجاه من آواها بعد أن صارت يتيمة فعاشت في بيت الأمير ونالت حب الأميرة كاتيا التي كانت تغمرها بالقبل. ولم تفهم البطلة هذه العاطفة الرقيقة «كان انجذابي إليها من القوة بحيث أنني استسلمت لعاطفتي الجديدة هذه في حماسة لم تخف أخيرا على كاتيا. الأفضل أن أعترف أن عاطفتي نحو كاتيا كانت هي العشق لقد اهتزت جميع عواطفي اهتزازا لذيذا» وبهذا الشكل أصبح الحب مرضا ومن ثم تغلبت مشاعر الكره على مشاعر الرحمة.
إن رواية «نيتوتشكانزفانوفنا: مثال مبكر على السرد الوجداني الذي تكون فيه كمية المشاعر النفسية سببا في اضطراب الشخصية واندحارها «إنني مريضة أتألم» وهي الجملة الأخيرة التي بها انتهت هذه الرواية.
وفي السرد العربي الحديث من العينات ما يوجب المساهمة الفاعلة في ميدان علم السرد الوجداني لاسيما العينات التي فيها السارد هو شاعر، له تجربته المميزة وطريقته الخاصة في كتابة القصيدة العربية. ومثالنا الشاعر الكبير منصف الوهايبي الذي جرب مختلف صنوف الكتابة الأدبية وهو إلى جانب ذلك ناقد أكاديمي ومترجم قدير، عرَّب كثيرا من نصوص الشعر الفرنسي. وتجربته في كتابة الرواية لا تنفصل عن تجربته الإبداعية ككل. فهو وحدة واحدة ومثلما التجربة الشعرية وجدانية فكذلك التجربة السردية. وهو ما نجده في روايته «عشيقة آدم» وهي عبارة عن سرد ذاتي ينطلق من شعور الذات بالآخر. وفيها أدى استعمال ضمير المتكلم دورا مهما في تصعيد الوتيرة الشاعرية عند السارد بوصفه عاشقا، هذا إلى جانب صياغة الرواية في شكل محادثة حوارية عبر وسيط افتراضي، تجري بين طرفين هما عاشق وعشيقة لا غير.
ويكون لتبادلهما مشاعر الحب والكره والأمل والخوف والغيرة وغيرها أثر في ان يكون للفاعل السردي دور في ابتكار سرد تسجيلي هو عبارة عن (حديث الأصابع) مع انفتاح السرد على مختلف النصوص من مسرحية ونقدية ومقالات أدبية وحوارية وتناصات من مقامات السيوطي والأغاني وكتاب الفارسي روزيهان «كشف الأسرار» وموشحات ابن القزاز وأزجال ابن قزمان الأندلسية.

*كاتبة من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *