الناصرة- “القدس العربي”: في ظل المشهد الإقليمي المتحرك، الذي تتداخل فيه جبهة لبنان مع ارتدادات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ولا يزال وقف إطلاق النار أقرب إلى ترتيب هش منه إلى تسوية قابلة للتثبيت لاحقا، تكتسب مسيرات حزب الله الموجهة بالألياف الضوئية أهمية تتجاوز حجمها التقني وتأثيرها المحدود.
هذا ما يؤكده تقرير للمركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية (“مدار”)، منوها إلى أن هذه المسيرات لا تقاس بقدرتها التدميرية، ولا بكونها بديلا عن الصواريخ أو المسيرات بعيدة المدى، وإنما بما تكشفه من تحول في طبيعة التهديد الذي يواجه إسرائيل في جبهة القتال الشمالية.
ويقول إنه أمام هذا النمط من السلاح، تبدو بعض عناصر التفوق الإسرائيلي، التي تراكمت على مدار أكثر من عامين منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة وطاولت جبهات أخرى منها لبنان، أقل فاعلية: التشويش الإلكتروني، والإنذار المبكر، والاعتراض عالي التكلفة.
وفي هذا السياق، تتناول هذه المساهمة هذا النوع من المسيرات من حيث قدراتها، والقلق الإسرائيلي المتنامي حيال استخدامها الناجح والمستمر من قبل مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، وخطورتها في الجبهة اللبنانية وإمكانية انتقالها إلى جبهات قتال أخرى.
مسيرات حزب الله الموجهة بالألياف الضوئية لا يمكن عدها سلاحا أكثر تدميرا من الصواريخ والقذائف التي كان يستخدمها الحزب في الدفاع منذ بدء الحرب على لبنان، لكن أهميتها تبرز في أنها باتت تتحدى قدرات إسرائيل في واحدة من أكثر نقاط تفوقها حساسية
بداية، يشير “مدار” إلى أن مسيرات حزب الله الموجهة بالألياف الضوئية لا يمكن عدها سلاحا أكثر تدميرا من الصواريخ والقذائف التي كان يستخدمها الحزب في الدفاع منذ بدء الحرب على لبنان، لكن أهميتها تبرز في أنها باتت تتحدى قدرات إسرائيل في واحدة من أكثر نقاط تفوقها حساسية: الهيمنة الإلكترونية (شبه المطلقة)، والإنذار المبكر، والتشويش، والاعتراض عالي التكلفة.
وصحيح أنها لا تلغي التفوق العسكري الإسرائيلي المتراكم، إلا أنها باتت تجبر الجيش على العمل خارج شروطه المريحة: خارج مجال التشويش، وخارج زمن الإنذار الكافي، وخارج معادلة الدفاع المتفوق تكنولوجيا أمام هجوم رخيص ومتكرر ومستمر، وسط غياب حلول فعالة.
ويوضح أنه نتيجة لذلك، يمكن القول إن هذا النوع من المسيرات تحول إلى أحد أهم مركبات استراتيجية “الاستنزاف الذكي” التي يعتمدها الحزب منذ سريان الهدنة الهشة في جنوب لبنان بعد وقف الحرب على إيران، وذلك على الرغم من كونها أداة صغيرة، محدودة المدى نسبيا، لكنها قادرة على رفع كلفة الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان بشريا واقتصاديا، وتقييد حركة الجيش، وإرباك منظومة الحماية الميدانية، وإنتاج أثر نفسي وعملياتي يفوق حجمها وكلفتها بكثير.
متى بدأ هذا النوع بالظهور؟
وينبه “مدار” إلى أنه من المهم التمييز بين تاريخ التقنية نفسها ولحظة ظهورها في ساحة القتال في جنوب لبنان، موضحا أن فكرة توجيه أدوات قتالية بالألياف الضوئية ليست جديدة تماما، إلا أنها اكتسبت أهميتها الحديثة بفعل الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث أصبحت المسيرات الرخيصة، ومنها المسيرات المرتبطة بالألياف، جزءا يوميا من القتال والاستنزاف.
وطبقا لـ “مدار”، ظهر هذا النمط في أوكرانيا كرد عملي على بيئة عسكرية مشبعة بالحرب الإلكترونية في مواجهة روسيا. أما في حالة حزب الله، فتشير المعطيات إلى أن الحزب بدأ باستخدام مسيرات “الألياف” منذ بدء الحرب، لكنها تحولت في الجولة الحالية – وتحديدا منذ وقف الحرب العسكرية المباشرة على إيران – إلى واحدة من أدوات الهجوم المركزية.
كما يوضح أنها تحولت مع الوقت إلى وسيلة الضغط المركزية على قوات الجيش الإسرائيلي التي تحتل المنطقة المعروفة بـ “الخط الأصفر”، بالإضافة إلى بلدات الشمال التي ظلت تحت تهديد الصواريخ والمسيرات منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
لماذا يعد هذا النوع من المسيرات خطيرا من المنظور الإسرائيلي؟
وحسب “مدار”، فإنه من المنظور الإسرائيلي، تكمن الخطورة الأولى لهذا النوع من المسيرات في قدرته على تقويض جدوى التشويش الإلكتروني، حيث بنت إسرائيل جزءا مهما من “تفوقها الدفاعي” على قدرتها على السيطرة على المجال الكهرومغناطيسي: كشف الإشارات، واعتراضها، وتعطيلها، أو التشويش عليها.
من المنظور الإسرائيلي، تكمن الخطورة الأولى لهذا النوع من المسيرات في قدرته على تقويض جدوى التشويش الإلكتروني، حيث بنت إسرائيل جزءا مهما من “تفوقها الدفاعي” على قدرتها على السيطرة على المجال الكهرومغناطيسي
ويضيف: “من ناحية ثانية، تكمن خطورة هذا النوع من المسيرات في كونه يعطل فعالية زمن الإنذار، حيث إن هذه المسيرات صغيرة الحجم نسبيا، وتحلق غالبا على ارتفاعات منخفضة، وتتحرك في بيئة قريبة من قوات الجيش، لذلك لا تمنح الوسائل الدفاعية التقليدية وقتا طويلا للتعامل معها والتصدي لها”.
وبعبارات أخرى، إذا كان اعتراض صاروخ أو طائرة مسيرة كبيرة يتم وفقا لمنظومات إنذار واعتراض متعددة الطبقات، فإن مسيرة من هذا النوع تقترب من آلية أو تجمع للجنود الإسرائيليين قد تفرض على القوات ردا فوريا خلال ثوان، وغير فعال في معظم الحالات.
ويوضح التقرير أنه من الناحية الاقتصادية، تعد تكلفة هذا النوع من المسيرات منخفضة جدا مقارنة بكلفة احتمالات الدفاع ضدها. ووفقا للمعطيات، فإن بكرة ألياف ضوئية لمدى 10 كيلومترات تباع على منصات تجارية صينية بنحو 300 دولار، بينما تكلف أنظمة الاتصال اللاسلكي المتقدمة أضعاف ذلك.
وهذه الفجوة لا تعني أن المسيرة رخيصة فقط، بل أيضا قد تدفع إسرائيل إلى إنفاق موارد أكبر بكثير لمواجهة تهديد أرخص وأكثر قابلية للتكرار والاستمرار.
أهمية هذه المسيرات في الحرب الحالية
وبموجب التقرير، يدرك الجيش الإسرائيلي أن الحرب التي يشنها ضد لبنان معقدة، وليست شبيهة بالجبهات الأخرى لكثير من الأسباب. وفي ما يتعلق بهذا النوع من المسيرات، فقد بات يتكون لديه إدراك متأخر بأنها جزء مهم من منظومة استنزاف ميدانية متعمدة، ولا تعمل بشكل منفصل عن تصور الحزب للحرب الدائرة واستجابته لها، لا سيما منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن ثم لبنان.
وبحسب القراءات الإسرائيلية، فإن ما يميز هذا النوع من المسيرات، التي بات يعتمد عليها الحزب بكثرة إلى جانب الكمائن والصواريخ، هو أنها لا تحتاج إلى إحداث دمار واسع كي تكون فعالة، ويكفي أن تجعل كل حركة عسكرية إسرائيلية أكثر حذرا، وكل تمركز أكثر تكلفة من الناحية البشرية والمادية، وكل آلية عرضة لهجوم مفاجئ، مع استمرار غياب الحلول الدفاعية الفعالة.
ومن ناحية ثانية، فإن استخدام هذه المسيرات بكثرة مؤخرا يسمح لحزب الله بزيادة الضغط على الجيش الإسرائيلي المتوغل في جنوب لبنان وبتكلفة منخفضة جدا، مع أثر نفسي مضاعف على الجنود بسبب صعوبة اعتراضها قبل الإصابة.
ويقول التقرير إن هذا التطور يمكن فهمه ضمن مسار تعلم وإدراك أوسع، يرتبط بخبرة حزب الله السابقة، وبالدروس المستخلصة من الحرب الروسية-الأوكرانية، وبالدعم المعرفي والتكنولوجي القادم من إيران.
ويقول أيضا إن هذا ما دفع بعض القراءات الإسرائيلية لمقارنتها مع صواريخ الكورنيت في حرب لبنان الثانية، رغم كون المقارنة غير دقيقة من حيث طبيعة السلاح، لكنها مفهومة من حيث الأثر الذي تحدثه، أو المتوقع مستقبلا في حال عجز الجيش عن مواجهتها: سلاح تكتيكي محدود قد يجبر الجيش على تغيير طريقة حركته وتمركزه في جنوب لبنان، وحسابات البقاء فيه مستقبلا.
استخدام هذه المسيرات بكثرة مؤخرا يسمح لحزب الله بزيادة الضغط على الجيش الإسرائيلي المتوغل في جنوب لبنان وبتكلفة منخفضة جدا
وبناء على ذلك، فإن النقاش الإسرائيلي يتجاوز البحث عن حلول لإسقاط مسيرة من هذا النوع بعينها، ويصل إلى البحث عن كيفية بناء منظومة دفاعية قادرة على حماية قوات الجيش المتوغلة في جنوب لبنان، في منطقة قتال واسعة ومتغيرة.
وهذا، برأي “مدار”، هو جوهر المشكلة، حيث يبدو الحل المطلوب أكبر بكثير من تجربة محدودة، بل قادرا على حماية كل مركبة وآلية، وتجمعات الجيش، والثكنات العسكرية، وكل موقع عسكري أمام هجمات الحزب المستمرة التي تطاول مستوطنات الشمال أيضا.
خطر الانتشار إلى ساحات أخرى
بحسب القراءات الإسرائيلية، فإن خطورة هذا النوع من المسيرات ربما ستزداد في ظل استمرار غياب الحلول، وجدواها من ناحية حزب الله، بما يحولها إلى نموذج قابل للاستنساخ بين الساحات المتعددة.
ولا يقتصر الأمر فقط على جنوب لبنان وحزب الله، حيث إن التجربة اللبنانية قد تمنح التنظيمات الفلسطينية درسا عملياتيا، بموجبه يمكن لأداة صغيرة، رخيصة، ومعدلة محليا أن تتجاوز جزءا من منظومات التفوق الإسرائيلي وتشكل تحديا لها، خاصة في بيئات الاحتكاك القريب.
وقد أشار معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب إلى هذا القلق مبكرا، إذ أكد أن المسيرات التي برزت في الحرب الروسية-الأوكرانية بدأت تدخل ساحات المواجهة مع إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وتحديدا منذ شباط/فبراير 2024، باعتبارها وسيلة دقيقة وسريعة وقليلة الكلفة.
ويوضح أن ذلك قد ظهر في قطاع غزة خلال هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، حين استخدمت حماس مسيرات لإسقاط ذخائر على دبابات ومواقع ومنظومات مراقبة إسرائيلية، كاشفة بذلك هشاشة بعض أدوات الحماية الثابتة أمام تهديد جوي صغير ومنخفض الارتفاع.
ووفقا للمعهد، فإن هذا التهديد قد يكتسب حساسية مضاعفة في الضفة الغربية، وذلك بسبب قصر المسافات وكثافة الاحتكاك وقرب المستوطنات والحواجز والمواقع العسكرية من المدن والبلدات والمخيمات.
وتم استحضار حادثة سقوط مسيرة رباعية المحركات في مستوطنة “يتسهار” شمال الضفة الغربية، في كانون الثاني/يناير 2025، كـ “جرس إنذار” للمؤسسة الأمنية، كونه يشير إلى تطور في منحنى التعلم والقدرات المحلية.
لذلك، تبدو خطورة النموذج في قابليته للتكيف مع ساحات مختلفة: في غزة ضمن خبرة قتالية قائمة أساسا، وفي الضفة ضمن تهديد ناشئ قد لا يحتاج إلى مدى بعيد أو بنية عسكرية معقدة، كما يلخص “المعهد”.