هل يخدم التصفيق الدائم السلطة في سوريا فعلاً؟


قبل أيام، نشر أحد المواقع الإعلامية السورية (الذي يُتداول على نطاق واسع أنه مقرّب من جهات رسمية) تقريراً يفترض أنه ينتقد منصة ساخرة معارضة، لكن التقرير تجاوز سريعاً حدود النقد الإعلامي، إلى استهداف شخصي واضح لمسؤول المنصة، مستخدماً لغة تحمل إيحاءات مرتبطة بأصوله الفلسطينية، وصولاً إلى عبارات من نوع «انقلع»، وهي لغة كان يمكن أن تثير مساءلات قانونية وأخلاقية جدية في كثير من الدول، لأنها لا تناقش فكرة أو محتوى، بل تقترب من التحريض الشخصي والتمييز المبطن.
لكن اللافت أكثر من التقرير نفسه كانت ردود الفعل التي دافعت عنه، فبدل أن يتركز النقاش على السؤال البسيط: «هل هذا النوع من الخطاب مقبول أصلاً؟»، انشغل كثيرون بتبرير ما قيل، أو بمهاجمة منتقدي التقرير، أو بتحويل النقاش بالكامل إلى الطرف الآخر: وماذا عن المنصة نفسها؟
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية.. المشكلة ليست في وجود مؤيدين للسلطة الجديدة، فهذا أمر طبيعي في أي مرحلة انتقالية، والمشكلة ليست أيضاً في رغبة الناس بحماية الاستقرار أو الخوف من الذهاب إلى الفوضى. المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء السياسي أو العاطفي كافياً لتبرير أي شيء، حتى لو تعارض مع أبسط المعايير المهنية أو الأخلاقية. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: هل هذا صحيح أم خطأ؟ بل يصبح فقط: هل يخدم الطرف الذي أؤيده؟ وهذه ليست ظاهرة سورية خالصة، التاريخ مليء بتجارب مشابهة، بعد الثورة الفرنسية، تحوّل جزء من جمهور الثورة إلى حالة تعتبر أي انتقاد تهديداً للجمهورية الوليدة، وانتهى الأمر بعهد كامل من الإقصاء والعنف السياسي باسم حماية الثورة. وفي بدايات الاتحاد السوفييتي، دافع كثير من المثقفين عن السلطة الجديدة بحجة أنها ما تزال فتية، ولا تتحمل النقد، قبل أن يتحول غياب النقد نفسه إلى أحد أسباب استبدادها اللاحق.
حتى في تجارب أقرب زمنياً، تكرر المشهد بأشكال مختلفة. بعد محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، صار جزء من جمهور أردوغان يعتبر أي انتقاد للرئيس اصطفافاً مع خصوم الدولة أو تهديداً للاستقرار. وفي الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، تعرض كثير من معارضي الحرب للتخوين أو التشكيك بوطنيتهم فقط لأنهم طرحوا أسئلة مختلفة.

السلطات لا تضعف بسبب النقد، بل بسبب غيابه، وحين يصبح المؤيد غير قادر على الاعتراف بإمكانية الخطأ أصلاً، فإنه يتحول، من حيث لا يشعر، من داعم للسلطة إلى عبء عليها

المشكلة إذن لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بالحالة النفسية والسياسية التي تعيشها المجتمعات الخارجة من الصدمات الكبرى. الناس المتعبة تميل أحياناً إلى التمسك بأي شعور بالأمان، حتى لو جاء على حساب النقاش أو النقد أو المساءلة. وهذا مفهوم إنسانياً، لكنه قد يصبح خطراً سياسياً إذا تحول إلى ثقافة عامة.
وفي الحالة السورية الحالية، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية. البلاد ما تزال تعيش مرحلة انتقالية بلا دستور دائم، ومؤسساتها لم تستقر بعد، والقرارات الأساسية تصدر بشكل مركزي وسريع. وفي مثل هذه الظروف تحديداً، يصبح النقد ضرورة لا رفاهية، لأن غياب النقاش الحقيقي لا يحمي السلطة، بل يعزلها تدريجياً عن الواقع.
ربما لا يدرك كثيرون أن جزءاً من أزمة نظام الأسد، لم يكن في شخص الأسد وحده، بل في البيئة التي تشكلت حوله، والتي اعتبرت أي اعتراض خيانة، وأي سؤال مؤامرة، وأي نقد اصطفافاً مع الأعداء. ومع الوقت، فقدت السلطة قدرتها على سماع المجتمع، لأنها لم تعد تسمع إلا التصفيق. الخطر اليوم ليس في وجود مؤيدين لرئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، بل في احتمال تشكل بيئة مشابهة تعتقد أن حماية «المرحلة الجديدة» تقتضي إسكات الأسئلة بدل مواجهتها. لأن السلطات لا تضعف بسبب النقد، بل بسبب غيابه، وحين يصبح المؤيد غير قادر على الاعتراف بإمكانية الخطأ أصلاً، فإنه يتحول، من حيث لا يشعر، من داعم للسلطة إلى عبء عليها. يبقى السؤال الأهم: هل تدرك السلطة الانتقالية نفسها خطورة هذا المناخ؟ وهل ترى في هذا النوع من التأييد حماية لها، أم خطراً قد يعزلها تدريجياً عن المجتمع الحقيقي؟
فالسلطات غالباً لا تنتبه إلى أثر جمهورها إلا متأخراً، حين تصبح محاطة فقط بالأصوات التي تصفق، وتختفي المساحة الطبيعية للنقاش والاعتراض.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن موقع «سيريا شفت» حذف التقرير لاحقاً بعد موجة الانتقادات الواسعة التي طالته، وهي خطوة تُحسب له، بغض النظر عن الجدل الذي أثاره التقرير نفسه. وربما هنا تحديداً تكمن الفكرة التي يغفل عنها كثيرون: النقد ليس دائماً استهدافاً أو مؤامرة، بل قد يكون أحياناً سبباً لتصحيح الخطأ قبل تحوله إلى أزمة أكبر.
من الطبيعي أن يفرح السوريون بانتهاء مرحلة الأسد المجرم، ومن الطبيعي أيضاً أن يمنح كثيرون السلطة الجديدة فرصة حقيقية، لكن من غير الطبيعي أن يتحول هذا الفرح إلى خوف من النقاش، أو إلى استعداد لتبرير أي خطاب تحريضي أو إقصائي فقط لأن مصدره ينتمي إلى «المعسكر الصحيح». فالدول لا تُبنى بالتصفيق الدائم، بل بقدرة الناس على السؤال، حتى في أكثر اللحظات حساسية.

إعلامي من سوريا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *