المشترك بين الحكم اللبناني و«حزب الله»


خلافاً لما قد يبدو لوهلة أولى، ثمة قاسمٌ مشترك بين الحكم اللبناني و«حزب الله» في مواجهة كلّ منهما للمحنة الخطيرة التي ألمّت بجنوب لبنان، وهو يتعرّض لاستيلاء صهيوني طويل الأمد يشمل ترحيلاً لأهله وتدميراً منهجياً للمساحات المبنية والمسكونة فيه، تمهيداً لعملية استيطان صهيوني على غرار ما حصل خلال نكبة 1948. وقد انتقلنا مما ظنّه الناس تطبيقاً لما عُرف باسم «استراتيجية الضاحية» منذ العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006 إلى ما تبيّن أنه أخطر من تلك الاستراتيجية بكثير ويمكن تسميته «استراتيجية غزة»، تلك الاستراتيجية الصهيونية التي جرت ممارستها في القطاع المنكوب قبل أن يجري تطبيقها الآن في الجنوب اللبناني.
فما هو القاسم المشترك بين الحكم اللبناني و«حزب الله» إزاء هذه المحنة؟ إنه بكل بساطة إيمان الطرفين بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سوف يفرض على حليفه الإسرائيلي الانسحاب من الأراضي اللبنانية. ويتجلّى إيمان الحكم اللبناني، برئيس جمهوريته ورئيس حكومته، في اعتقادهما أن اتكالهما على ترامب، والرضوخ لاشتراطه الدخول في مفاوضات مباشرة مع الدولة الصهيونية من أجل غاية معلنة هي الانضمام إلى قافلة التطبيع «الأبراهامي»، سوف يؤدّيان إلى تكفّل الإدارة الأمريكية بإخلاء الجنوب اللبناني من المحتلّ الإسرائيلي، كما يعدهما به بالتأكيد أعضاء الإدارة الأمريكية ذوو الأصل اللبناني، وهي المهمة المناطة بهم. ولا نحتاج للتأكيد على أنه لوهمٌ عظيم، استند إليه سلوكٌ من الحكم اللبناني يتعارض مع مصلحة البلاد ويعرّضها لخطر جسيم من الانفجار (أنظر «لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحكم»، 5/5/2026).

 هذا الاستخفاف المذهل بنوايا العدو إنما يحكم منطق الحزب اليوم من جديد، بالرغم من أنه كلّفه الكثير

أما الوهم لدى «حزب الله»، فقد عبّر عنه أمينه العام بصورة مفرِطة في كلمته الأخيرة مساء يوم الأحد، بمناسبة «عيد المقاومة والتحرير» الذي يخلّد انسحاب الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان في 25 أيار/ مايو من عام 2000. ويكفي أن نقتبس من تلك الكلمة المنشورة على موقع الأمين العام. في رأيه أن ما يدور اليوم في الجنوب اللبناني هو دليلٌ على عجز إسرائيل، بل هو بداية النهاية للمشروع الصهيوني (طبعاً، يضيف الأمين العام بعد كل من تنبؤاته العجيبة: «إن شاء الله»).
«شاهدوا المواجهة التي تحصل اليوم في جنوب لبنان، معناها إسرائيل فاشلة، لم تستطع إسرائيل أن تحقق أهدافها، تقتل المدنيين، تدمّر، تهجّر قرى بكاملها، ما معنى ذلك؟ معناها أنها عاجزة، لا تستطيع ولن تستطيع أن تفرض أمنها … وأنا أقول لكم – الآن البعض يمكن أن يستغرب – ما يحصل اليوم في جنوب لبنان هو بداية لزوال إسرائيل إن شاء الله، مع العوامل الأخرى المحيطة بها، مع جهاد الشعب الفلسطيني وتضحياته الكبرى، لأنّ كل آثار الحروب التي فتحتها إسرائيل تنعكس عليها في الداخل خسائر كبيرة جداً.»
هكذا، فإن التهجير والتدمير اللذين تمارسهما إسرائيل في الجنوب اللبناني ليسا ركنين من استراتيجية توسّعية خطيرة تهدف إلى «التطهير العرقي» بغية استيلاء صهيوني مستديم على الجنوب، على غرار ما جرى ولا زال يجري في قطاع غزة، بل هما دليلان على عجز إسرائيل عن فرض أمنها. هذا الاستخفاف المذهل بنوايا العدو إنما يحكم منطق الحزب اليوم من جديد، بالرغم من أنه كلّفه الكثير خلال تاريخه (أنظر «لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحزب»، 12/5/2026). بل تعدّى الأمين العام الاستخفاف بإسرائيل إلى استخفاف بالولايات المتحدة ومبالغة قصوى في سلطان الحكم اللبناني عليها، هي أقرب إلى الهلوسة منها إلى الواقعية، وذلك في مخاطبته الحكم اللبناني.
«أنا أنصحكم: أتركوا المفاوضات المباشرة، واضربوا غنجة على الولايات المتحدة الأمريكية، وقولوا لهم: ما بقى تطلبوا مننا شيء، ليركضوا على قدميهم، ويقولوا لكم: دخيلكم، تعالوا، ماذا تريدون حتى نتفق.»
ثم ينجلي مغزى المبالغة، حيث إن الأمين العام مؤمن بأن إيران منتصرة لا مُحال في مواجهتها مع الولايات المتحدة وأنها سوف تفرض على هذه الأخيرة اتفاقاً يشمل «وقف الأعمال العدائية بالكامل» في لبنان، اتفاقاً سوف تفرضه واشنطن بدورها على حليفها الإسرائيلي، «إن شاء الله».
«ستخرج إيران إن شاء الله مرفوعة الرأس، ستكون قوة استثنائية لها مكانة دولية وملجأ للعالم الحرّ، هنيئاً لإيران هذا الموقع وهذا الدور وهذه المنعة والقوة. إن شاء الله يتم هذا الاتفاق، الإرهاصات موجودة في إتمام الاتفاق، وبالتالي أيضاً نكون نحن من الذين يشملهم هذا الاتفاق، zتفاق وقف الأعمال العدائية بالكامل.»

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *