لندن – “القدس العربي”: أشارت صحيفة “ديلي تلغراف” في تقرير أعده هنري بودكيني إلى أن دعوات الرئيس دونالد ترامب لتوسيع اتفاقيات إبراهيم التي رعاها مع دول عربية عام 2020 قد تكون أضغاث أحلام ويوتوبيا.
وقال فيه إن مطالبة دونالد ترامب للدول العربية والإسلامية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل اقتراح طموح بشكل لافت. ففي منشور مطول على منصته “تروث سوشيال” يوم الاثنين، دعا الرئيس الأمريكي علنا الدول المتورطة في الحرب مع إيران أو التي تحاول وقفها إلى الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. وألمح إلى أن اتفاق السلام الوشيك الذي يأمل في إبرامه مع الجمهورية الإسلامية سيمهد الطريق لانضمام جماعي إلى هذه الاتفاقيات.
وذكر إيران نفسها، بالإضافة إلى السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، كدول يرغب في انضمامها إلى الاتفاقيات، مقرا بأن الإمارات العربية المتحدة والبحرين عضوان فيه بالفعل.
ذكر ترامب إيران نفسها، بالإضافة إلى السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، كدول يرغب في انضمامها إلى الاتفاقيات
وكتب ترامب: “سيكون هذا أهم اتفاق ستوقعه أي من هذه الدول العظيمة، التي لطالما كانت في صراع. لن يتجاوزه شيء في الماضي أو في المستقبل”. وبالنظر إلى الوضع الراهن في المنطقة، تعد هذه خطوة جريئة، كما تقول الصحيفة.
وكانت اتفاقيات إبراهيم هي إنجاز ترامب الأهم في السياسة الخارجية أثناء ولايته الأولى، وأعلن عن الاتفاق، الذي توسط فيه جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، في أيلول/سبتمبر 2020. وانضم المغرب والسودان إلى كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين بعد وقت قصير، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، أعلن انضمام قازاخستان.
ومع أن الإمارات والبحرين لم تدخلا في حرب مع إسرائيل قط، إلا أن مجرد اعتراف هاتين الدولتين العربيتين بـ”الدولة اليهودية” كان ذا دلالة رمزية مهمة، على حد تعبير الصحيفة.
صحيح أن مصر والأردن وقعتا اتفاقيات سلام مع إسرائيل منذ عقود، لكن ذلك كان نابعا من براغماتية لا صداقة، ونتيجة مفاوضات مضنية لاتفاقيات سلام تهدف إلى إنهاء حقبة من الحروب المروعة بين البلدين. في المقابل، صيغت اتفاقيات إبراهيم، التي لم يوقع عليها الأردن أو مصر بعد، بلغة تفاؤل حقيقي بشأن فرص إقامة علاقة مع إسرائيل.
ولم يذكر الاتفاق اسم إسرائيل، ولم يلزمها فعليا بتغيير سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، مع أن هذا كان ولا يزال مطلب السعودية. لكن، من جهة أخرى، أتاح الاتفاق للدول الموقعة فرصة لإظهار التخلي عن النزعة العربية السائدة في القرن العشرين والتضامن الإسلامي الذي كان يعامل القضية الفلسطينية كشعلة مقدسة.
وفي ولاية ترامب الثانية، استخدم مصطلح “اتفاقيات إبراهيم” كاختصار عام للإشارة إلى طموحه في إبرام المزيد من الاتفاقيات التي تعترف بإسرائيل.
وكان يعتقد أن التقارب الرسمي بين إسرائيل والسعودية هو هدفه الأسمى. مع ذلك، لم يذكر الرئيس إسرائيل في منشوره على منصة “تروث سوشيال”، وبدلا من ذلك، تحدث عن الاتفاقيات الموسعة في سياق “تحالف عالمي” وشرق أوسط “موحد، قوي، وذي اقتصاد قوي”.
ويذكر هذا الخطاب بالخطاب الذي رافق إنشاء “مجلس السلام” الذي أسسه، والذي انبثق عن اتفاق السلام في غزة، لكنه سرعان ما تحول، كما زعم منتقدوه، إلى هيكل متعدد الجنسيات منافس للأمم المتحدة تحت سيطرة ترامب الشخصية.
وتقول الصحيفة إن فرص توسيع اتفاقيات إبراهيم وانضمام الدول التي ذكرها في منشوره ضئيلة. ويبدو أن هذا الطموح يرتكز على افتراض أن الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير قد قربت الشرق الأوسط من إسرائيل عموما، نظرا لكثرة الدول التي عانت من هجمات إيران الصاروخية والطائرات المسيرة.
فرص توسيع اتفاقيات إبراهيم وانضمام الدول التي ذكرها ترامب في منشوره ضئيلة. ويبدو أن هذا الطموح يرتكز على افتراض أن الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير قد قربت الشرق الأوسط من إسرائيل عموما
وهذه هي رواية تروج لها إسرائيل بحماس، لكنها لا تحظى بالضرورة بتأييد واسع. صحيح أن الإمارات قبلت دعما ماديا من إسرائيل على صورة تكنولوجيا القبة الحديدية للدفاع الصاروخي، وربما فعلت دول أخرى ذلك سرا. ومع ذلك، فثمة رواية أخرى رائجة في العالم العربي مفادها أن هذه الدول ما كانت لتضطر للدفاع عن نفسها أصلا لو لم يشن ترامب وبنيامين نتنياهو حربا طائشة على الجارة المسلحة تسليحا كثيفا.
وفي الوقت نفسه، يبدو جليا أن هناك أسبابا عديدة قد تدفع الدول التي ذكرها ترامب إلى عدم الاعتراف بإسرائيل، لا سيما في الوقت الراهن، منها استنكار الأردن ومصر لحرب غزة. فعلى الرغم من وجود علاقات ودية وتعاون أمني، على الأقل ظاهريا، إلا أن العلاقات بين الأردن ومصر وإسرائيل متوترة. فقد أعرب البلدان عن استيائهما الشديد من طريقة إدارة الحرب في غزة.
والأردن، على وجه الخصوص، الذي سيطر على الضفة الغربية حتى عام 1967، وله مطالبات تاريخية بالمواقع الإسلامية المقدسة في القدس الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ينتقد بشدة تفاقم معاناة الفلسطينيين.
وفي القرن الماضي، اغتيل قادة البلدين بعد إطلاقهم مبادرات سلام مثيرة للجدل مع إسرائيل. ويصعب، والحالة هذه، تخيل موافقة رئيس مصر وملك الأردن على توقيع اتفاقيات في الوقت الحالي، نظرا لمكانة إسرائيل في العالم العربي.
أما السعودية، فقد أوضحت أنها لن تعترف بإسرائيل حتى يتم وضع الفلسطينيين على مسار موثوق نحو دولة مستقلة، وأنها تعتبر كل ما حدث منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 انتكاسة لهذا الهدف.
أما بالنسبة لانضمام إسرائيل إلى اتفاق مع إيران، فلن يكون ذلك ممكنا سياسيا لنتنياهو إلا إذا حقق اتفاق السلام الذي سيبرمه ترامب نتائج باهرة في جميع أهداف الحرب الأصلية، المتعلقة بالقدرات النووية والصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء.
وفي الوقت الراهن، ليس من الواضح ما إذا كان إنهاء الحرب سيؤدي إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني. ولا يبدو أن التقدم في مجال الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء مطروح أصلا على طاولة المفاوضات.
ومن الأمور المقلقة في منشور ترامب فكرة اشتراط توقيع الدول على الاتفاقات لكي تكون طرفا فيه. فقد كتب: “إذا لم تفعل، فلا ينبغي لها أن تكون جزءا من هذا الاتفاق لأنه يظهر سوء نية”.
هل يعني ذلك أنه في حال وقعت إيران، بينما لم توقع السعودية والأردن مثلا، فلن يحق لهاتين الدولتين أن تتوقعا من إيران التوقف عن إطلاق النار عليهما؟ أم أن إيران، بموجب الاتفاقات الموسعة، ستجد نفسها حليفا أوثق للولايات المتحدة من هاتين الدولتين؟
يبدو من غير المرجح أن يكون هذا ما يقصده ترامب. وبدلا من ذلك، ومن خلال مزيجه من اللغة المثالية تقريبا والتهديد الضمني، يبدو الرئيس وكأنه شخص يائس لإبرام صفقة وإدارة ظهره لحرب صعبة ومثيرة للجدل.