كان – «القدس العربي»: ثمة أفلام نشاهدها فتذهب عن ذاكرتنا وثمة أفلام أخرى نشاهدها فتخلد في الذاكرة، وتبقى مصدراً للحنين نشتاق إليها، فنعاود مشاهدتها مجدداً بشغف المشاهدة الأولى نفسه، أو ربما أكثر.
هذا الشعور بأن هذا الفيلم أصبح في دائرة أفلامنا المقربة التي تبقى في ذاكرتنا، ينطبق على فيلم «الكرة السوداء» للمخرجين الإسبانيين خابيير كالبو وخابيير أمبروسي، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري). لا يتعامل مع المثلية بوصفها قضية، أو شعاراً سياسياً مباشراً، بل كأرشيفٍ مفقود، كحياة كاملة جرى دفنها عمداً تحت طبقات الحرب والخوف والعار والتاريخ الرسمي.
الفيلم، المستوحى بحرية من نص غير مكتمل للشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا، يتحرك عبر ثلاثة خطوط زمنية في إسبانيا: 1932، 1937، و2017. لكن هذه البنية الثلاثية ليست مجرد حيلة سردية تكسب الفيلم غموضاً محبباً، بل محاولة لفهم كيف تنتقل الصدمات بين الأجيال، وكيف يمكن لسرٍّ عاطفي واحد أن يظل حيّاً لعقود طويلة حتى بعد موت أصحابه.
في الخط الأول، نتابع كارلوس، الشاب القادم من عائلة أرستقراطية في غرناطة، والذي يُرفض انضمامه إلى نادٍ اجتماعي مرموق، بسبب الشائعات حول ميوله الجنسية. هنا، تتحول الكرة السوداء، التي يحمل الفيلم اسمها، إلى رمزٍ للإقصاء نفسه: تصويت بكرات بيضاء وسوداء من وجهاء المجتمع يقرر من يحق له أن يكون مقبولاً داخل المجتمع، ومن يجب عزله خارجه. المشهد، بطقسه الاحتفالي البارد، يبدو أقرب إلى محاكمة كنسية منه إلى إجراء اجتماعي، وكأن المجتمع الإسباني آنذاك كان يحتاج إلى تحويل الميل الجنسي إلى جريمة رمزية، حتى يشعر بتماسكه الأخلاقي. لكن أكثر ما نشعر به في هذا الجزء من الفيلم ليس الإدانة المباشرة للمجتمع المحافظ، بل ذلك الذهول الذي يدخل فيه كارلوس بعد الرفض. لا ينهار، ولا يثور، بل يتسكع بين الحانات في حالة تيه داخلي، كمن بدأ يشك حتى في حقه في الوجود. الفيلم هنا يلتقط بدقة ذلك النوع من العنف الصامت الذي لا يترك ندوباً ظاهرة، لكنه يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. يبدو لكارلوس كما لو أن المجتمع يلفظه ويرفضه لمجرد اختلافه. غير أن القلب الحقيقي للفيلم يوجد في خط 1937، خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حيث يلتقي سباستيان، عازف البوق القادم من قرية صغيرة وغير المنحاز لفريق سياسي معين، ولكن ظروف الحرب تزج به وسط زمرة الفاشيين، برافييل، الجندي الجمهوري الأسير ولاعب كرة القدم السابق، الذي كان أيضاً حبيب الشاعر الشهير لوركا في الحياة الواقعية. العلاقة بينهما تُبنى ببطء وسط خراب الحرب وصراعاتها، لكنها تحمل منذ البداية شعوراً بأنها حكم عليها بالموت والإخفاق، كما لو أن الحب نفسه صار ترفاً لا تسمح به الحرب.

لا يصور الفيلم الدمار الناتج عن الحرب كخلفية فحسب، بل كحالة نفسية كاملة. الكنائس المهدمة، التماثيل المحطمة، الجثث المكومة في الشاحنات العسكرية، كلها تتحول إلى استعارات عن بلد يقتات على أبنائه. وفي واحد من أجمل مشاهد الفيلم، يتسلق سباستيان تمثالاً مدمراً للقديس سباستيان، مستخدماً السهام المغروسة في جسده الحجري كموطئ قدم. صورة تجمع بين الألم والإيمان والانهيار والرغبة في النجاة في لقطة واحدة، وتختصر تقريباً كل ما يريد الفيلم قوله عن الجسد المثلي في أوروبا في ذلك الحين.
رافاييل، من جهته، ليس مجرد حبيب مأساوي وسيم، بل يمثل شيئاً أوسع: الشجاعة في أن يعيش الإنسان حقيقته حتى وسط الفاشية والموت. بينما يختبئ سباستيان خلف الصمت والخوف، يبدو رافاييل كأنه ينتمي إلى عالم آخر، عالم أكثر حرية وإن كان محكوماً بالإعدام سلفاً. الانجذاب غير المعلن بين الشخصيتين يمنح الفيلم لحظاته الأكثر حرارة وإنسانية، خصوصاً لأن الرغبة هنا لا تُصوَّر باعتبارها فضيحة أو استعراضاً، بل كحاجة بشرية للبقاء.
أما الخط الثالث في الفيلم، الذي تدور أحداثه في 2017، فيتتبع ألبرتو، الباحث الشاب الذي يحقق في تاريخ الهويات المثلية والموسيقى الشعبية، قبل أن يكتشف رابطاً شخصياً غير متوقع بينه وبين الماضي الذي يدرسه. هذا الجزء هو الأكثر واقعية وحداثة، لكنه أيضاً الأكثر كآبة بطريقة مختلفة. فبينما عاش رجال الماضي تحت قمع واضح ومباشر، يعيش ألبرتو في زمن تبدو فيه الحرية ممكنة نظرياً، لكنها لا تمحو آثار العنف الموروث. علاقته بأمه تكشف كيف يمكن للصدمة أن تنتقل عبر العائلة، حتى من دون أن يُقال شيء بصراحة. غضبها، اكتئابها، إدمانها، كلها تبدو كأعراض لذاكرة لم تُشفَ أبداً. والفيلم ذكي بما يكفي ليفهم أن القمع لا ينتهي بمجرد تغير القوانين؛ إنه يبقى كامناً داخل اللغة، داخل العائلات، داخل الصمت الطويل.
قد يُؤخذ على الفيلم أحياناً ميله إلى المبالغة الميلودرامية، هناك لحظات يبدو فيها الحوار مثقلاً بالشعرية، وكأن الشخصيات لا تتحدث، بل تلقي بيانات وجودية عن الحب والموت والذاكرة. وبعض المشاهد، خصوصاً في النصف الأخير، تشرح أكثر مما ينبغي، فتفقد شيئاً من الغموض الساحر الذي ميّز البداية. الفيلم يكون أقوى حين يلمّح لا حين يفسر، وحين يترك الصور تتحدث بدلاً من تحويل كل فكرة إلى خطاب. ومع ذلك، فإن العمل يبقى عذباً مؤلماً ومؤثراً.
«الكرة السوداء» ليس مجرد دراما تاريخية عن المثلية في إسبانيا، بل محاولة لبناء جسر بين أزمنة مختلفة، بين رجال لم يعرف بعضهم بعضاً، لكنهم عاشوا الخوف ذاته والرغبة ذاتها والوحدة ذاتها. الزمن هنا لا يسير بشكل خطي، بل يبدو كأنه يلتف حول نفسه، بحيث تصبح قصص الموتى جزءاً من الحاضر، لا مجرد ذكريات بعيدة. حتى ظهور لوركا نفسه في نهاية الفيلم لا يأتي بوصفه شخصية تاريخية تقليدية، بل كطيف شعري يراقب كل شيء من بعيد، كشاعر يعرف مسبقاً أن الحب في هذه الأرض سيدفن مراراً، لكنه سيعود دائماً بطريقة أو بأخرى. ولعل أكثر ما يجعل «الكرة السوداء» مؤثراً هو إصراره على أن القصص التي لم تُعش بالكامل لا تختفي. إنها تبقى معلقة في الهواء، تنتظر من يعثر عليها ويعيد روايتها. ولهذا يبدو الفيلم، في جوهره، أقل اهتماماً بالموت من اهتمامه بالاستمرارية: كيف يمكن لحبٍ عاش في الظل أن يترك أثراً يمتد لعقود، وكيف يمكن للسينما نفسها أن تتحول إلى عملية استعادة لذاكرة كاملة دُفنت تحت أنقاض التاريخ الرسمي.
«الكرة السوداء» فيلم عن الرجال الذين لم يُسمح لهم بأن يحبوا علناً، وعن الذين جاؤوا بعدهم حاملين ندوبهم، من دون أن يعرفوا مصدرها. فيلم طويل، فائض أحياناً، وربما متورط في شاعريته أكثر مما ينبغي، لكنه يمتلك شيئاً نادراً: إحساساً حقيقياً بأن الفن يمكنه، ولو متأخراً، أن يمنح الموتى صوتهم أخيراً.
